مقدمة :
يتساءل الكثير من الناس حول ما نسميه اليوم بالإعجاز العددي للقرآن الكريم، وتُشكل الكتب التي صدرت عن مركز نون للدراسات القرآنية في مدينة البيرة الإجابة عن هذا التساؤل، إلا أنّ الغالبية من الناس لا يتيسر لهم الاطلاع على هذه الكتب لسبب أو آخر. من هنا فقد رأينا أن نلفت انتباه القارئ باستعراض أمثلة من عالم العدد القرآني، وبعض هذه الأمثلة انتزع من سياقات ففقدت بعض مفاجآتها، ومن هنا نطمع أن تدفع هذه النشرة السريعة من لديهم الاهتمام لمتابعة بحوث المركز في الإعجاز العددي، والتي يجدونها في كتب مثل: ( إعجاز الرقم 19 في القرآن الكريم، مقدمات تنتظر النتائج) ، ( إرهاصات الإعجاز العددي)، ( لتعلموا عدد السنين والحساب) ، ( زوال إسرائيل 2022م نبوءة أم صدف رقمية) ، (الميزان 456 بحوث في العدد القرآني) ، (أصحاب الكهف وصخرة بيت المقدس). كما ويجد القارئ بعض هذه الكتب على صفحة الانترنت الخاصة بالمركز. ولمزيد من المعلومات يمكن مراسلتنا على البريد الالكتروني الخاص بالمركز وهو: noon@p-ol.com .
ملاحظة:
حتى يسهل فهم ما ورد في هذه النشرة نلفت الانتباه إلى الآتي:
أولاً: يشكل العدد 19 مرتكزاً أساسياً في الإعجاز العددي القرآني، وقد فصّلنا ذلك في كتابنا: (إعجاز الرقم 19في القرآن الكريم مقدمات تنتظر النتائج) ثم في كتاب: (إرهاصات الإعجاز العددي).
ثانياً: لحساب الجُمّل أهمية كبرى في الإعجاز العددي القرآني، واستخدام هذا الحساب في اللغات الساميّة ومنها العربية، وفي هذا الحساب يُعطى كل حرف من حروف (أبجد هوز…) قيمة عدديّة ثابتة. ويجد القارئ تفصيل ذلك في كتاب ( إرهاصات الإعجاز العددي).
النمـل
سورة النمل هي السّورة 27 في ترتيب المصحف، وعدد آياتها 93 آية.
تبدأ سورة النمل بالحرفين (ط س)، وإذا عرفت هذا فإليك الملحوظة الآتية:
تكرر حرف (ط) في سورة النمل 27 مرّة، وهذا هو ترتيب السورة في المصحف.
تكرر حرف (س) في سورة النمل 93 مرّة، وهذا هو عدد آيات السورة.
مجموع (27+ 93) = 120 وهذا هو جُمّل كلمة نمل.
سورة التوبة هي السورة 9 في ترتيب المصحف، وهي السورة الوحيدة التي لا تُستهل بالبسملة، في المقابل نجد أنّ سورة النمل تتكرر فيها البسملة مرتين؛ وذلك في بداية السورة وفي الآية30 : " إنه من سليمان وإنّه بسم الله الرحمن الرحيم ". وإليك بعض العلاقات العدديّة التي تجمع بين السورتين:
إذا بدأنا العد من السورة 9 تكون سورة النمل هي السورة 19.
الفرق بين ترتيب السورتين في المصحف هو: (27 – 9) = 18
مجموع أرقام ترتيب السور ابتداءً من سورة التوبة وحتى سورة النمل هو:
(9 + 10 + 11 + ………… + 27) = 342 = 19 × 18
ملاحظة: الأعداد التي إذا بدأنا العد من الأول منهما يكون الأخير هو العدد 19 وبالتالي يكون الفرق بينها 18 هي أعداد لا نهائية، واللافت هنا أنّ العددين 9 ، 27 هما فقط العددان اللذان يكون مجموع تسلسلهما 342 أي 19 × 18
لم ترد كلمة النمل في القرآن الكريم إلا في الآية 18 من سورة النمل، وعدد كلماتها 19 كلمة.
النحـل
سورة النحل هي السورة 16 في ترتيب المصحف، واللافت للانتباه أنّ عدد كروموسومات ذكر النحل هو أيضاً 16 كروموسوماً.
لم ترد كلمة النحل في القرآن الكريم إلا في سورة النحل، وذلك في الآية 68: " وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون". واللافت هنا أن عدد الحروف من بداية الآية وحتى كلمة النحل هو 16 حرفاً. ويصبح الأمر لافتاً أكثر عندما نعلم أنّ الآية 68 يتألف رسمها من 54 حرف هي في الحقيقة 16 حرف هي: (ا،ب،ج،و،ح،ي،ك،ل،م،ن،ع،ر،ش،ت،خ،ذ).
عدد آيات سورة النحل هو 128 آية، وعدد كلمات الآية الأخيرة هو 8 كلمات، واللافت أنّ العلاقة بين الآية 128 وكلماتها هو: 128÷ 8 = 16
عدد حروف الآية 128 هو 32 أي 16×2 حرفاً، وقد لفت انتباهنا هذه العلاقة بين رقم الآية وعدد حروفها: 128×32 = 4096 والمفاجأة هنا أن هذا العدد هو مكعب العدد 16 أي: 16×16×16
عدد كلمات الآية 68 هو 13 كلمة، وإذا ضربنا رقم الآية بعدد كلماتها يكون الناتج: 68 × 13 = 884 وتكون المفاجأة هنا عندما نعلم أنّ ترتيب كلمة النحل في سورة النحل هو 884 أي أننا إذا بدأنا العد للكلمات من بداية سورة النحل تكون كلمة النحل هي الكلمة 884 فتأمّل!!
الآية 68 من سورة النحل هي الآية رقم 13 في ترتيب سور المصحف والتي تحمل الرقم 68، وهذا يعني أنّ مجموع أرقام هذه الآيات وحتى آية النحل هو أيضاً 884
الآيات التي رقمها 16 في سور القرآن الكريم كله هي 85 آية. والمفاجأة هنا أنّ مجموع كلمات هذه الآيات هو أيضاً 884
لقد أصبح واضحاً ارتباط النحل بالعدد 16، فلو قمنا بجمع أرقام الآيات 16 في القرآن الكريم وأضفنا إليها عدد كلماتها، فإن المنطق يقتضي عندها أن نضيف إليها رقم السورة 16 وعدد كلماتها أيضاً، هكذا: (85×16) + 884 + 16 + 1844 وهو عدد كلمات سورة النحل = 4104 والمفاجأة هنا أنّ هذا المجموع هو جُمّل الآية 68 من سورة النحل. فتأمّل!!
هناك 8 آيات في سورة النحل رقمها العدد 16، أو مضاعفاته، أي: (16+32+48+ 64+ 80+ 96+ 112+128)، والمفاجأة هنا أنّ عدد كلمات هذه الآيات هو 119 كلمة، وهذا العدد هو جُمّل كلمة النحل: (1+30+50+8+30) = 119
عدد الآيات التي رقمها العدد 16، أو أحد مضاعفاته، من بداية المصحف وحتى الآية 128 من سورة النحل هو: 119 آية. فتأمّل!!
الحديـد
سورة الحديد هي السورة الوحيدة التي يدل اسمها على عنصر من عناصر المادة، وهي السورة رقم 57 في ترتيب المصحف. وإليك بعض الملاحظات حول ترتيب هذه السورة :
جُمّل كلمة (الحديد) هو 57 وهو موافق لترتيب السورة.
جُمّل كلمة (حديد) هو 26 وهذا هو العدد الذري للحديد، وتكتمل المفاجأة عندما نعلم أنّ 57 هو الوزن الذري للحديد، مع العلم أنّ الأوزان الذرية لنظائر الحديد المستقرة غير المشعة هي: (56، 57، 58).
عدد آيات سورة الحديد هو 29 آية، فإذا ضربنا رقم ترتيب سورة الحديد بعدد آياتها يكون الناتج:
( 29× 57 ) = 1653
إذا جمعنا أرقام ترتيب السور القرآنيّة من 1 إلى 57 يكون الناتج: (1+2+3+ ……57) = 1653، فإذا قمنا بضرب رقم ترتيب كل سورة من سور القرآن الكريم الـ 114 بعدد آياتها، ثم قمنا بترتيب الناتج تنازلياً، فستكون المفاجأة أنّ سورة الحديد هي السورة الوحيدة التي تحافظ على ترتيبها بين سور المصحف، أي ستبقى السورة رقم 57
الآية رقم (1) من سورة البقرة هي الآية رقم (8) في ترتيب المصحف. وعليه إذا قمنا بجمع تراكمي لآيات المصحف فسنجد أنّ الآية 1653 في ترتيب المصحف هي الآية 57 من سورة يوسف. فتأمّل!!
ولمسألة الحديد تتمة ليس هذا مكان بسطها.
نـوح
عليه السلام
سورة نوح 28 آية. وإليك بعض الملاحظات حول هذا العدد وغيره:
ورد اسم نوح في القرآن الكريم مضافاً إليه، مثل: (قوم نوح، امرأة نوح)، وورد أيضاً من غير اضافة. وقد تكرر في القرآن الكريم من غير اضافة 28 مرّة.
عدد السور التي ذكر فيها لفظة نوح هي 28 سورة.
تكرر اسم نوح في سورة نوح 3 مرات، وإذا ضربنا جمّل نوح بالعدد 3 يكون الناتج:(3 × 64) = 192. واللافت للانتباه أنّ العدد 192 هو ترتيب كلمة نوح الثالثة والأخيرة في سورة نوح.
سورة نوح هي السورة 71 في ترتيب المصحف، وإذا طرحنا عدد آياتها من عدد ترتيبها يكون الناتج:
(71 – 28) = 43 واللافت هنا أنّ لفظة نوح بجميع صورها وردت في القرآن الكريم 43 مرّة.
سورة نوح هي آخر سورة يرد فيها اسم نوح، عليه السلام، وهذا يعني أنّ هناك 43 سورة بعد سورة نوح لم يرد فيها لفظة نوح، وبلغة الأعداد نقول: ( 114 – 71 ) = 43
بما أن السّور التي وردت فيها لفظة نوح هي 28 سورة، فإنّ ذلك يعني أنّ هناك 43 سورة قبل سورة نوح لم يرد فيها لفظة نوح، وبلغة الأرقام نقول: (71 – 28) = 43
معلوم أنّ نوح قد لبث في قومه 950 سنة، واللافت للانتباه أنّ عدد حروف سورة نوح هو 953 حرفا، والملاحظة هنا، والتي تدعو إلى البحث أكثر، هي أنّ حرف الحاء في السورة قد تكرر فقط 3 مرّات، وفقط في كلمات نوح الثلاث، أي أنّ حرف الحاء لم يرد في السورة كلها إلا في كلمة نوح. فتأمل !!
السجـدة
سورة السجدة هي السورة 32 في ترتيب المصحف، وقد لاحظ بعض الكُتاب أنّ عدد السور التي وردت فيها مادة (س ج د) هي 32 سورة .
عدد السجدات في القرآن الكريم، كما هو مشهور، 15 سجدة، واحدة منها في سورة السجدة: "إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذُكّروا بها خروا سجّدا وسبّحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون". اللافت للانتباه هنا أنّ هذه الآية هي الآية 15 من سورة السجدة، وهذا العدد يوافق عدد السجدات في القرآن كله، ويلفت الانتباه أيضاً أنّ عدد كلمات هذه الآية هو 15 كلمة.
عدد آيات سورة السجدة هو 30 آية وهذا يعني أنّ آية السجدة جاءت في نهاية النصف الأول، وهذا يعني: ( 2 × 15) = 30 فماذا لو ضربنا ترتيب كلمة (سُجّدا) بالعدد 2 كما فعلنا في رقم الآية ؟
كلمة (سجدا) هي الكلمة 186 في ترتيب كلمات السورة: (2 × 186) = 372 والمفاجئ هنا أنّ هذا هو عدد كلمات سورة السجدة. فتأمل ‍‍‍‍‍‍!!
الـحـج
تكررت كلمة (الحج) في القرآن الكريم 9 مرّات. وقد جاءت الكلمة التاسعة والأخيرة في سورة الحج، أي أنّ آخر تكرار لكلمة الحج جاء في الآية 27 من سورة الحج: " وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ". وهذا يُشعر بأهميّة الكلمة التاسعة حيث سميت السورة (الحج).
عدد كلمات هذه الآية هو 14 كلمة، فإذا ضربنا عدد الكلمات برقم الآية وهو 27 يكون الناتج:
(14 × 27 ) = 378
اللافت للانتباه أنّ العدد 378 هو مجموع الأعداد من 1 إلى 27 هكذا:
( 1+2+3+ ….+ 27) = 378
قلنا إن تكرار كلمة (الحج) في القرآن الكريم هو 9 مرّات، فإذا ضربنا هذا التكرار بجُمّل كلمة الحج يكون الناتج : (42 × 9) = 378 ولا ننسى هنا أن الكلمة التاسعة هي الكلمة الواردة في سورة الحج.
بالرجوع إلى سورة الحج نلاحظ أنّ الكلام حول الحج وشعائره يبدأ في الآية 26 وينتهي بالآية 37 وهذا يعني أن مجموع أرقام هذه الآيات هو:(26+27+28+29+30+31+32+33+34+35+36+37) = 378
إذا أضفنا إلى هذا العدد عدد آيات سورة الحج يكون الناتج: (378+78) = 456 فتكون المفاجأة أنّ هذا هو ترتيب كلمة (الحج) بين كلمات سورة الحج.
إذا ضربنا رقم الآية 27 بعدد كلماتها وبعدد حروفها، يكون الناتج:
(27 × 14 × 51 ) = 19278 وإذا قسمنا الناتج على جُمّل كلمة الحج يكون الناتج:
(19278 ÷ 42 ) = 459 والمفاجأة هنا أنّ هذا العدد هو ترتيب الكلمة السابعة في الآية 27 من سورة الحج، والتي هي 14 كلمة، واللافت أنّ العدد 7 يتككر كثيراً شعائر الحج.
هناك ملاحظات كثيرة تتعلق بهذه الآية من سورة الحج بني عليها كتاب:(الميزان 456 بحوث في العدد القرآني)، فمن أحب الاستزادة فليرجع إلى الكتاب في صفحة مركز نون الإلكترونية.
الـكهـف
سورة الكهف هي السورة 18 في ترتيب المصحف، واللافت للانتباه أنّ عدد آيات قصة أصحاب الكهف في السورة هو 18 آية.
إذا بدأنا عد الكلمات من بداية قصة أصحاب الكهف، أي من بداية الآية 9، إلى قوله تعالى: " ولبثوا في كهفهم "، فسنجد أن ترتيب الكلمة التي تأتي بعد لفظة (كهفهم) هو 309، وهذا هو عدد السنين التي لبثها أصحاب الكهف. وهذا يعني أننا نجد بعد لفظة (كهفهم) مباشرة عبارة: "ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا"، وكذلك العدد 309، والذي هو ترتيب كلمة (ثلاث) في قصة أصحاب الكهف.
مجموع حروف قصة أصحاب الكهف هو (1401) فإذا أضفنا إلى هذا جُمّل عبارة (سورة الكهف) فيكون الناتج: (1401+ 407) = 1808 وهذا هو جُمّل: "ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا"، وفق رسم المصحف، وعلى أساس أن همزة (مائة) تحسب دائماً واحداً، وكذلك الأمر في الهمزة المرسومة على واو، وعلى ألف، والمنفردة. وهناك ملاحظات أخرى كثيرة، ومن أحب الاستزادة فليرجع إلى كتاب: "لتعلموا عدد السنين والحساب 309"، الموجود على صفحة مركز نون الإلكترونية.
مـريـم و ص
هناك 29 سورة في القرآن الكريم تُستهل بحروف نورانية مثل: الم، الر، كهيعص، ص، …الخ. في هذه السور الـ 29 نجد أنّ ترتيب سورة مريم في المصحف هو 19، وسورة ص ترتيبها 38، ولا يوجد غيرهما من سور الفواتح سورة ترتيبها من مضاعفات الـ 19، وعليه إليك هذا الجدول:

فاتحتها - جُمّلها

السورة - جُمّلها

الترتيب

كهيعص = 195

مريم = 290

19

ص = 90

ص = 90

38

مجموع الجُمّل

مجموع الجُمّل

المجموع

19 ×  15 = 285

19 ×  20  =380

19 ×  3 = 57


مجموع الترتيب: 57 = 19 × 3
جُمّل السور : 380 =19 × 20
جُمّل الفواتح : 285 = 19 × 15
المجموع العام 722 هو 19 × 38 والمفاجئ هنا أنّ المجموع العام هو حاصل ضرب ترتيب سورة مريم 19 في ترتيب سورة ص 38
بما أنّ سورة مريم هي السورة 19 في ترتيب المصحف، فلا بد من أهمية خاصة لهذه السورة في مسألة العدد 19 ونجد تفصيل ذلك في كتاب: (إعجاز الرقم 19 في القرآن الكريم مقدمات تنتظر النتائج)، وكتاب:
( إرهاصات الإعجاز العددي في القرآن الكريم)، ولكننا هنا نلفت الانتباه إلى أمثلة مبسّطة:
إذا تمّ ترتيب سور الفواتح الـ 29 كما هي في المصحف فسنجد أنّه يوجد بعد سورة مريم 19 سورة من سور الفواتح، في المقابل نجد أنّ هناك 19 سورة هي قبل سورة ص.
جُمّل كلمة (سورة) هو 271 فإذا أضفنا العدد 19 إلى جُمّل كلمة (سورة) يكون الناتج:
271 + 19 = 290 وهذا هو جُمّل كلمة (مريم) = 290
رقم ترتيب سورة مريم في المصحف هو 19 وعدد آياتها 98 فإذا أضفنا 19 إلى جُمّل كلمة مريم يكون الناتج: (290+ 19) = 309 وهذا هو الرقم المركزي في سورة الكهف التي تسبق سورة مريم.
إذا أضفنا عدد آيات السورة إلى العدد 309 يكون الناتج :
(309 + 98) = 407 وهذا هو جُمّل عبارة (سورة الكهف)، وقد يعني هذا أنّ هناك أسراراً مشتركة في سورتي الكهف ومريم تتعلق بعالم العدد. وهناك ملاحظات عددية تؤكد ذلك ليس هنا مقام بسطها.

آدم وعيسى، عليهما السلام

جاء في الآية 59 من سورة آل عمران: "إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ، خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ".
تتحدث الآية الكريمة عن التماثل في خلق آدم وخلق عيسى، عليهما السلام. وقد لفت نظر بعض الكتاب أنّ في الآية تماثلاً عددياً أيضاً. فما هو هذا التماثل؟!
إذا قمنا بإحصاء كلمات (عيسى) من بداية المصحف وحتى كلمة (عيسى) في الآية 59 من سورة آل عمران، فسنجد أنها الكلمة رقم 7
وإذا قمنا بإحصاء كلمات (آدم) من بداية المصحف وحتى كلمة (آدم) في الآية 59 من سورة آل عمران، فسنجد أنها الكلمة رقم 7 أيضاً.
هذه الملاحظة اللطيفة دفعتنا إلى متابعة الأمر، فكانت النتيجة أنْ تحصّلت لدينا ملاحظات عدديّة كثيفة. إلا أننا رأينا أن نقصر البحث هنا على جزء منها:
بحثنا عن تماثل ثانٍ في سور أخرى، فكانت المفاجأة أنّ هذا التماثل جاء في سورة مريم. ومعلوم أنّ مريم هي إبنة عمران، وكان التماثل الأول في سورة آل عمران، ثم إنّ تفصيل الكلام في خلق عيسى، عليه السّلام، جاء في سورة مريم.
أمّا التماثل الثاني فجاء على الصورة الآتية:
ترتيب سورة مريم في المصحف هو 19. ولم ترد كلمة (عيسى) في سورة مريم إلا مرّة واحدة، وذلك في الآية 34. والملاحظة اللطيفة هنا أنّ كلمة عيسى في الآية 34 هي التكرار 19 في القرآن الكريم. والمفاجأة هنا أنّ كلمة (آدم) في الآية 58، والتي لم تتكرر في سورة مريم إلا مرّة واحدة، هي أيضاً التكرار 19 في القرآن الكريم.
ففي السّورة 19 إذن كان التكرار 19 لكلمة عيسى والتكرار 19 لكلمة آدم. فتأمّل!!
تكررت كلمة عيسى في القرآن الكريم 25 مرّة. واللافت أنّ تكرار كلمة آدم هو أيضاً 25 مرّة. وإذا بدأنا العدّ من الآية 34 من سورة مريم، والتي ذكر فيها اسم عيسى، عليه السلام، تكون الآية 58 التي ذكر فيها اسم آدم، عليه السّلام، هي الآية 25
رأينا أنّ التماثل الأول كان في الآية 59 من سورة آل عمران، حيث كانت كلمة عيسى هي التكرار (7) . وكذلك تكرار كلمة آدم. أمّا التماثل الثاني فكان عند الآية 58 من سورة مريم، لأنّ تكرار كلمة آدم فيها كان هو التكرار 19، وقد جاء مماثلاً لتكرار كلمة عيسى في الآية 34 من سورة مريم. فهل هناك علاقات عدديّة أخرى تعزز هذا التماثل ؟!
إذا بدأنا العد من الآية 59 من سورة آل عمران، فستكون الآية 58 من سورة مريم هي الآية رقم (1957)
اللافت أنّ عدد الآيات من بداية سورة آل عمران (سورة التماثل الأول) ، إلى بداية سورة مريم (سورة التماثل الثاني) هو أيضاً (1957). والمفاجأة هنا أنّ مجموع أرقام الآيات التي فيها كلمة عيسى، من بداية المصحف وحتى الآية 34 من سورة مريم، هو:

التسلسل

السورة

الآية

التسلسل

السورة

الآية

 

1

البقرة

87

11

النساء

171

2

البقرة

136

12

المائدة

46

3

البقرة

253

13

المائدة

78

4

آل عمران

45

14

المائدة

110

5

آل عمران

52

15

المائدة

112

6

آل عمران

55

16

المائدة

114

7

آل عمران

59

17

المائدة

116

8

آل عمران

84

18

الأنعام

85

9

النساء

157

19

مريم

34

10

النساء

163

     مجموع أرقام الآيات الكلي =

1957


بذلك يتبين أنّ عدد الآيات، إذا بدأنا العدّ من آية التماثل الأول إلى آية التماثل الثاني، هو عدد الآيات نفسه إذا بدأنا العدّ من بداية سورة التماثل الأول إلى بداية سورة التماثل الثاني، وهو أيضاً مجموع أرقام الآيات التي فيها كلمة عيسى حتى الآية 34 من سورة مريم، أي حتى التكرار 19

عند جمع القرآن الكريم في عهد الخليفة أبي بكر رضي الله عنه قام الصحابة، رضوان الله عليهم، بالأخذ من الصحف التي كتبت بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم. وكان بإمكانهم أن يأخذوا القرآن من صدور الرجال، فالقرّاء والحفظة من الكثرة بمكان. إلا أنهم أصرّوا على المزاوجة بين المكتوب والمحفوظ في الصدور. وكان بإمكانهم أيضاً أن يأخذوه من المكتوب في مصاحف كبار الصحابة، مثل علي بن أبي طالب، أو عبد الله بن مسعود، أو غيرهم. إلا أنهم حرصوا على أن يأخذوا من الصُحُف التي يحتفظ بها كتّاب الوحي الذين اختارهم الرسول صلى الله عليه وسلم لكتابة القرآن الكريم، تلك الصحف التي يثبت أنها كُتِبَت بين يدي الرسول، صلى الله عليه وسلم، وبإملائه. ولا نظن أنهم كانوا يقصدون بهذا المسلك المنهجي فقط التحقق من عدم إسقاط شيء من القرآن، لأن ذلك يكفي فيه اجتماع عدد من القرّاء عند كتابة المصحف، وهم في ذلك الوقت كُثر.
الذي نراه في هذه المسألة أنّ الصحابة، رضوان الله عليهم، حرصوا على التزام رسم الكلمات والحروف التي كتبت بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، أي بإشراف الوحي. ومن هنا نجد أنّ رسم المصحف يتميّز عن الرسم الاصطلاحي، لذا ذهب جمهور العلماء إلى وجوب التزام الرسم العثماني، لأنّه توقيفي. وقد أفاض الكتّاب المسلمون عند الحديث عن إعجاز القرآن، ولم يلتفتوا إلى إعجاز الكتاب، أي إعجاز الرسم العثماني للمصحف، ولكنهم اكتفوا بالقول إن للرسم أسراراً.
ورد أنّ الصحابة الذين جمعوا المصحف وأخذوه من صحف الرسول، صلى الله عليه وسلم، لم يجدوا في البداية الصحيفة التي كتبت فيها الآيتان (128،129) من سورة التوبة: ( لقد جاءَكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم. فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلتُ وهو ربُّ العرش العظيم). ثم ما لبثوا أن وجدوا الصحيفة عند الصحابي أبي خزيمة. وقد تلقّف أصحاب الأهواء والمستشرقون هذه الرواية، وخلصوا منها إلى القول بأنّ الآيتين (128، 129) من سورة التوبة ليستا من القرآن الكريم، بل وجدنا أنّ بعضاً من المسلمين الذين يعيشون في الغرب قد تأثروا بمثل هذا القول! ونجد أنّ البهائيين، وأتباع رشاد خليفة، يُفيضون في ذلك، ويقدّمون محاولات عددية لإثبات زعمهم.
إنّ تمسك الملاحدة وأهل الأهواء بالفهم المغلوط لهذه الرواية يدل على أنهم لا يجدون في القرآن مطعناً، فلو وجدوا ثغرة لنفذوا منها. ومثل هذا الموقف يدل أيضاً على أنهم لا يخجلون من تقديم الاعتراضات السّخيفة، لأنهم يقصدون التشويش، وليس من مقاصدهم الوصول إلى الحقيقة. وإلا فما معنى أن تكون اعتراضاتهم على هذا المستوى من الركاكة؟!
وإليك هذه الملاحظات السّريعة على الرواية المذكورة:
‌أ- تنص الرواية على أنّ الصحابة الذين كانوا يجمعون القرآن من الصحف افتقدوا الصّحيفة التي تتضمن الآيتين (128، 129) من سورة التوبة. وكيف يمكن أن يفتقدوا شيئاً لا يعرفونه؟ فالقرّاء وآلاف المسلمين يحفظون الآيتين، ومن هنا بحثوا عن الصحيفة التي كتبت بين يدي الرسول، صلى الله عليه وسلم. وهذا يؤكد إدراكهم لأهميّة رسم المصحف.
‌ب- لو افترضنا أنهم لم يجدوا الصحيفة، عندها يمكن لأصحاب الأهواء أن يقولوا بنقص القرآن، والعجيب أنهم يقولون هنا بالزيادة!
‌ج- كأن المشككين يقولون لنا إن القرآن قد ثبت بالتواتر إلا الآيتين من سورة التوبة، فلم يأت بهما إلا رجل واحد. ومعلوم أنّ التواتر يُشترط فيه نقل الكثرة من الناس، بحيث يحكم العقل باستحالة الكذب أو الخطأ، ولم يشترط أحد أن يكون النقل عن طريق الكتابة. ومعلوم أنّ صحيفة أبي خزيمة جاءت مطابقة لما هو متواتر عند الصّحابة قراءةً، ومدون عند آخرين في مصاحفهم.
‌د- إنّ هذه الرواية تؤكد حرص الصحابة على التحقق عند تدوين المصحف، فهي، كما هو واضح، مؤكدة لمنهجية الصحابة في تدوين المصحف، ومؤكدة بأنّ القرآن الكريم قد دوّن في عهد الرسول، صلى الله عليه وسلم. أمّا ما تمّ في عهد أبي بكر، فإنّه تجميعٌ للصُحُف في صحيفة واحدة.
إذا كان الأمر كذلك فلماذا نطرح هذه المسألة؟
نهدف بطرح هذه المسألة أن نبين للقارئ كيف يمكن عن طريق العدد القرآني أن نحسم الخلافات، وأن نزيل الشبهات، فنزاهة القرآن عن النقص أو الزيادة يمكن اثباتها عن طريق:
‌أ- السند التاريخي، وما ورد في تاريخ تدوين القرآن الكريم.
‌ب- النص القرآني نفسه.
فهناك إذن إثباتان: إثبات خارجي، وإثبات داخلي. وكل واحدٍ منهما يكفي، فكيف إذا اجتمعا؟!
و قد اخترنا المثال الآتي لتوضيح فكرة الاستناد إلى النص القرآني كإثبات داخلي على حفظه:
على صفحة الانترنت المسمّاة (الإسلام على الطريق المستقيم) والصادرة عن أتباع رشاد خليفة، نجد محاولات للإثبات عن طريق العدد أنّ الآيتين الأخيرتين من سورة التوبة هما من زيادة الصحابة والمسلمين عبر العصور، ثم جاء "الرسول" رشاد خليفة ليثبت زيادتهما!
والإشكال هنا أنّ اسم الصفحة يخدع بعض المسلمين الذين ليس لديهم معرفة مناسبة بالإسلام، وعلى وجه الخصوص غير العرب منهم. وبالتالي لا نستطيع أن نزعم أن لا خطورة لمثل هذه الدعوات على أبناء المسلمين. وقد وجدنا بعض من أسلم حديثاً يقول بذلك عن جهل، وتراجع عن هذا القول بعد أن عرف الحقيقة.
يسهل عن طريق الحذف من النص القرآني أن نشكّل بعض النظم الرياضية. فبإمكان المغرض مثلاً أن يزعم بأنّ سورة البقرة هي (285) آية، وأنّ الصحابة قد زادوا الآية الأخيرة، ثم يقول إنّ الدليل على سبيل المثال هو:
‌أ- 285 هو من مضاعفات العدد 19 أي 19×15
‌ب- 285 هو أيضاً مجموع الأعداد الصحيحة التي ذكرت في القرآن الكريم.
من هنا لا يقبل العقل البرهان القائم على الحذف، لأن الحذف يتيح أن ننسّق الأمور كما نشاء. وفي حالة وجود علاقات رياضية أكثر تعقيداً مما أوردنا في النقاط (أ+ب)، فإنّ غاية ما يمكن إثباته عندها أنّ الآية (285) من سورة البقرة لها علاقات رياضية بآيات أخرى. ولا يثبت بحال أنّ الآية (286) مزيدة. وحتى نكون عمليين أكثر أحببنا أن نناقش الآيتين الأخيرتين من سورة التوبة:
تتألف سورة التوبة من 129 آية، وقد أجهد أتباع رشاد خليفة أنفسهم في محاولة إيجاد علاقات رياضية لسورة التوبة بغيرها، وذلك عند زعمهم أنّها تتكون من 127 آية وليس 129. وهذا المسلك، إن صح، لا يُثبت زيادة الآيتين الأخيرتين، بل يثبت أنّ للآية 127 علاقات ينبغي التنبه إليها. ومثال ذلك العلاقات الرياضية التي خلصنا إليها في كتابنا:( ولتعلموا عدد السنين والحساب 309)، حيث تبيّن أنّ الآية (26) من سورة الكهف هي مركزية في هذه العلاقات. وهذا لا يعني بأي حال أنّ سورة الكهف هي (26) آية. وكذلك ما خلصنا إليه في كتاب (الميزان 456 بحوث في العدد القرآني)، حيث تبيّن مركزيّة الآية (27) من سورة الحج في علاقات رياضية معقدة. وهذا لا يعني أيضاً أنّ سورة الحج هي (27) آية فقط. والأمثلة على ذلك في القرآن الكريم كثيرة.
أمّا وجود العلاقات الرّياضية الكثيرة والمعقّدة، والتي تشمل النص القرآني من حيث عدد السور، وترتيبها، وعدد الآيات، ومواقعها من السّورة، ومن القرآن، وعدد الكلمات، وكذلك موقع الكلمات من السورة، ومن القرآن، وعدد الحروف وكذلك مواقعها من السورة، ومن القرآن... وغير ذلك كثير، هو الإثبات القاطع على نزاهة القرآن الكريم عن الزيادة أو النقص. والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، وتشمل بمجموعها النص القرآني كاملاً.
في البداية لا بد من التنبيه إلى أن الإعجاز العددي في القرآن الكريم يقوم على ركنين :
‌أ- العدد 19 ومضاعفاته، وقد فصّلنا ذلك في كتابنا (إعجاز الرقم 19 في القرآن الكريم مقدمات تنتظر النتائج)، وكتابنا ( إرهاصات الإعجاز العددي في القرآن الكريم). وكتب أخرى يجدها القارئ على صفحة مركز نون الالكترونية : www.noon-cqs.org
‌ب- حساب الجُمّل: وهو إعطاء كل حرف من حروف (أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ) قيمة عددية ثابتة. وقد استخدم هذا الحساب قبل الإسلام، وهذا يعني أنه عند نزول القرآن الكريم كان هذا الحساب جزءاً من اللغة العربية. ويجد القارئ تفصيلاً حول حساب الجُمّل في كتابنا (إرهاصات الإعجاز العددي).
إذا عرفنا هذا يسهُل عندها مناقشة موضوع الآيتين الأخيرتين من سورة التوبة:
‌أ- عدد حروف الآية (128) هو 60 حرفاً. وعدد حروف الآية (129) هو 54 حرفاً. وهذا يعني أن مجموع حروف الآيتين هو (60+54) = 114، وهذا يوافق عدد سور القرآن الكريم.
‌ب- عدد سور القرآن الكريم زوجية الآيات هو 60 سورة، وعدد السور فردية الآيات هو 54 سورة. واللافت هنا أن عدد حروف الآية زوجية الرقم (128) يساوي عدد السور زوجية الآيات، أي 60. وعدد حروف الآية فردية الرقم (129) يساوي عدد السور فردية الآيات، أي 54.
ج. [1] وقد يكون من المناسب هنا أن نستفيد من دراسة عددية قام بها المهندسان أحمد عبد الوهاب، ومصطفى بدران، فقد خطر لهما أن يأخذا السور القرآنية التي يزيد عدد آياتها عن (114) آية، أي ما
يزيد عن عدد سور القرآن الكريم، فكانت (13) سورة. ثم قاما برصد تكرار لفظ الجلالة (الله) في كل سورة، ثم قاما بتدوين رقم آخر آية يذكر فيها لفظ الجلالة من كل سورة، فكانت النتائج وفق الآتي:

مسلسل عام

السورة

مسلسل المصحف

عدد آيات السورة

عدد لفظ الجلالة بالسورة

رقم آخر آية بها لفظ الجلالة

*1

2

*3

4

5

6

 

*7

 

*8

*9

10

11

12

13

 

البقرة

آل عمران

النساء

المائدة

الأنعام

الأعراف

 

التوبة

 

هود

النحل

طه

المؤمنون

الشعراء

الصافات

2

3

4

5

6

7

 

9

 

11

16

20

23

26

37

286

200

176

120

165

206

 

129

 

123

128

135

118

227

182

282

209

229

147

87

61

 

169

 

38

84

6

13

13

15

286

200

176

120

164

200

 

129

 

123

128

114

117
227

182

 

 

المجموع

169

2195

1353

2166


اللافت في هذه الإحصائية الآتي:
1. مجموع أرقام آخر آية ذكر فيها لفظ الجلالة من كل سورة هو 2166 وهذا هو (19×114) واللافت هنا أنّ هذا العدد يتضمن الآية (129) من سورة التوبة، أي الآية الأخيرة من السّورة.
2. السّور التي عدد آياتها أكثر من (114) هي (13) سورة. واللافت أنّ السّورة الوسط هي سورة التوبة، والتي هي محل دراستنا هنا.
3. مجموع أرقام السّور ال (13) في ترتيب المصحف هو 169 وهذا هو مربّع عدد السّور أي 13×13.
4. قلنا إنّ السّورة الوسط هي سورة التوبة، واللافت أن تكرار لفظ الجلالة في السورة هو 169، أي مجموع أرقام السّور ال (13) والذي هو أيضاً مربع العدد 13، وهذا يتضمن لفظ الجلالة (الله) في الآية 129 من سورة التوبة.
5. مجموع تكرار لفظ الجلالة في السور التي تأتي بعد سورة التوبة هو أيضاً (169)!
6. إذا أضفنا إلى مجموع آيات السّور ال (13) مجموع تكرار لفظ الجلالة في هذه السور، يكون المجموع: (2195 +1353) = 3548، والمفاجأة هنا أن هذا هو مجموع جُمّل أسماء السّور ال 13 [2]. وهذه النتيجة لا تتحصّل حتى نجمع رقم الآية الأخيرة في سورة التوبة، أي (129)، ونجمع لفظ الجلالة (الله) الذي ورد في الآية (129).
د- في بحث سابق لفتنا الانتباه إلى أنّ ترتيب سورة النحل في القرآن الكريم هو (16)، وهذا هو عدد كروموسومات ذكر النحل. ولم تذكر كلمة (النحل) في القرآن الكريم إلا مرّة واحدة، وذلك في الآية (68) من سورة النحل: ( وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون)
1. عدد كلمات الآية هو (13)، وإذا ضربنا رقم الآية بعدد كلماتها يكون الناتج: (68×13)= 884
2. المفاجأة هنا أنّ ترتيب كلمة (النحل) في السورة هو أيضاً 884 [3]
3. الآية (68) من سورة النحل هي الآية رقم (13) في المصحف التي تحمل الرقم (68). وهذا يعني أن مجموع أرقام هذه الآيات حتى آية النحل هو أيضاً 884[4].
4. الآيات التي رقمها (16) في القرآن الكريم كله هي (85) آية. والمفاجأة هنا أن مجموع كلمات هذه الآيات هو أيضاً 884 [5].
5. بالعودة إلى جدول السّور التي تزيد آياتها على 114 آية، والتي هي (13) سورة، نجد أن هناك خمس سور يتجانس ترتيب كل سورة منها مع عدد آياتها، أي (فردي فردي) أو (زوجي زوجي) وهي:

السورة

الترتيب في المصحف

عدد الآيات

 

البقرة

2

286

 

النساء

4

176

 

التوبة

9

129

 

هود

11

123

 

النحل

16

128

 

المجموع

42

842

884


واللافت هنا الآتي:
أ‌. أنّ السّورة الوسطى هي أيضاً سورة التوبة.
ب‌. أنّ آخر سورة متجانسة في السور هي سورة النحل.
ت‌. المفاجأة هنا أن مجموع ترتيب وآيات السور الخمس المتجانسة هو 884، ولا تكون هذه النتيجة إلا أن تكون سورة التوبة 129 آية. فتأمل!!
6. أ. في بحث سابق لفتنا الانتباه إلى أنّ هناك (8) آيات في سورة النحل رقمها العدد (16) ومضاعفاته، أي: (16+32+48+ 64+ 80+ 96+ 112+128)، وكانت المفاجأة أن عدد كلمات هذه الآيات هو (119) أي جُمّل كلمة (النحل).
ب‌. قام الباحث الأستاذ عبيد سليمان، من الإمارات، بإحصاء عدد الآيات التي رقمها ترتيب سورة النحل (16)، أو أحد مضاعفاته، في السور القرآنية، أي: 16، 32، 48،....الخ، فوجد أنّ عدد هذه الآيات حتى الآية الأخيرة من سورة النحل هو أيضاً (119) آية، وهو جُمّل كلمة (النحل).
ت‌. ينبني على ذلك أنّ الآية الأخيرة من سورة النحل، التي رقمها (128)، لن تكون الآية (119) بين الآيات التي رقمها (16) ومضاعفاته من بداية المصحف، فيما لو كانت سورة التوبة (127) آية فقط، كما يزعم أهل الضلالات، بل ستكون الآية (118)، لأن الآية (128) من سورة التوبة هي التي تجعل الآية (128) من سورة النحل تكون الآية (119).
7. من يقرأ كتابنا: (ولتعلموا عدد السنين والحساب) يلاحظ مركزية الآية (26) من سورة الكهف، ويلاحظ أنها الآية (2166) في ترتيب المصحف، ولقد انبنى على ذلك نتائج رياضية لا يقبل العقل أن تكون جاءت اتفاقاً (صدفة). وعليه لا بد أن تكون سورة التوبة (129) آية.
8. من يقرأ كتابنا (الميزان 456 بحوث في العدد القرآني) يلاحظ مركزية الآية (27) من سورة الحج، ويلاحظ أنها الآية (2622) في ترتيب المصحف، وقد انبنى على ذلك ملاحظات عددية بديعة، لا مجال للقول بحصولها صدفة. وعليه لا بد أن تكون سورة التوبة (129) آية.
9. وفي الكتاب نفسه، يلاحظ القارئ أن الآية (25) من سورة الحديد هي الآية (5100) في ترتيب المصحف، وقد كان اكتشاف ذلك مفاجأة عددية توّجت البحث، وجاءت منسجمة ومكمّلة لمفاجآت البحث كله. وهذا أيضاً يعني أنه لا بد أن تكون سورة التوبة (129) آية.

المقدمة :
يثور جدل واسع حول ما يسمّى بالإعجاز العددي للقرآن الكريم، وإن كان المعارضون قلّة لم تفرّق بين دراسات جادّة إبداعية، ودراسات ركيكة. بل عمدوا إلى الاحتجاج على البطلان بالدراسات السخيفة، وسلّوا سيوفهم في وجوه الأشباح التي لا واقع لها. وليتهم أنصفوا فعرضوا على الناس وجوه هذا الإعجاز، وقدّموا نقدهم المنهجي الموضوعي.
ما يلفت الانتباه أنّ حجج الرافضين للإعجاز العددي تتماثل وتتكرر، ويدهشك أن لا تجد فرقاً كبيراً بين موقف العالم والمتعالم، مما يجعلك تدرك أنّ رفضهم يجعلهم غير راغبين في دراسة المسألة دراسة جادّة، فكأنهم آمنوا أن لا إعجاز عددياً، وبالتالي لا داعي لإضاعة الوقت فيما لا طائل منه. أمّا الذين كلفوا أنفسهم الكتابة باسم الرافضين، فقد جمعوا أدلة الرافضين وقدّموها للناس على أنها القول الفصل الذي لا يجوز مخالفته. وعندما يشعرون بضعف موقفهم يسترون ضعفهم بعبارات طنانة، وشتائم وأوصاف قد تجدي فقط في ردع الذين يطلبون السّلامة، ويرغبون في أن يصفهم الناس بالتقاة الصالحين، وكأنهم لا يعلمون أنّ الذي ينهل من روح القرآن الكريم لا يقيم وزناً إلا للحقيقة الربّانية.
الكتاب الذي نعالجه في هذه العجالة يصلح أن يكون مثالاً للدلالة على منهج الرافضين غير الجادّين. وهو لطالب ماجستير، أشرف على دراسته من يحمل درجة الدكتوراة، وقرّظه كاتب لا يقل عدد الكتب التي ألفها، أو حققها، عن عشرة كتب، وذلك في حدود علمنا. كل ذلك لا يغني عن الحق شيئا، فضعف حجج المنكرين للإعجاز العددي لايخفى على المختصين، ولا على غير المختصين، لأنّ ضعفهم يتجلى بالدرجة في منهجية التفكير لديهم.
عندما اقترح عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، على أبي بكر أن يجمع القرآن الكريم تردد رضي الله عنه، ثم مضى بعد أن اطمأنّ إلى أنّ المصلحة في جمعه. وعندما أضيف النقط والشكل إلى النص القرآني الكريم لقي ذلك معارضة أيضاً، حتى اطمأن الناس إلى إيجابية تلك الإضافات. وهذا ما حصل عندما أضيف الترقيم إلى الآيات الكريمة، ثم ما لبثت المعارضة أن تلاشت، بل إننا نلاحظ اليوم أنّ هناك من يطبع المصاحف من غير أن يضيف رقم السورة في المصحف، وكأنهم لم يقتنعوا بعد بأنّ ذلك أيسر للناس، ولا يخلّ بقداسة القرآن الكريم، وتنزيهه عن الزيادة أوالنقصان. وهذا الموقف لايخلو من إيجابيّات، لأنّ الحذر مطلوب عند التعامل مع أيّ جديد يتعلق بالقرآن الكريم.
وعليه فإننا ننظر بإيجابية إلى وجود معارضين لما نسميه بالإعجاز العددي، ولكننا نرجو أن تكون هذه المعارضة جادّة، وصادقة، وموضوعيّة. وكم نُسرّ عندما نجد أنّ المعارض يقدّم الدليل المقنع ، لأنّ هذا يساهم في تصويب المسيرة، ويحفظ من الزلل. وكم نشعر بالغيظ عندما نرى أنّ المعارض لا يفهم شيئاً عن الموضوع، ثم هو يناقش ويجادل، ويبلغ غيظك مداه عندما تراه ُيقدّم لك الأدلة التي يخجل منها الأطفال.
هذا عالم كبير مشهور بمنهجيته، وكتبه تملأ الأسواق، سُئل عن قضية العدد تسعة عشر فسارع إلى رفض المسألة، وبدل أن يقدِّم الدليل القوي والمقنع، تجده ينتقي الرد الذي يدهشك في غرابته وإغرابه فيقول:" يقولون إن بسم الله الرحمن الرحيم تسعة عشر حرفاً، وهذا غير صحيح" ألا يعلم هذا الشيخ الجليل أنّ القرّاء سيبادرون إلى عد الحروف، وعندها سوف لن تسعفه الحذلقات، لأنه لا يجوز أن تكتب البسملة إلا على صورتها المدونة في المصحف، والتي هي تسعة عشر حرفاً. والأغرب من هذا أن تجد أكثر من كاتب، وأكثر من عالِم، يستدلون بهذا الدليل المُستفِز. وهذا يدل على أنهم لا يعلمون شيئاً عن الموضوع، ولم ترض لهم كبرياؤهم أن يعترفوا بأنهم لم يدرسوا المسألة.
ليس كل من كتب في وجوه الإعجاز القرآني أحسنَ وأجاد، بل نجد أنّ الكتابات الركيكة والمتكلّفة هي الأكثر شيوعاً. ولا نقصد هنا الكتابات المعاصرة فقط، بل تجد أنّ الكثير مما كُتب في إعجاز القرآن الكريم، منذ فجر الإسلام إلى يومنا هذا، قد غلب عليه التكرار، وعدم العمق في تناول المسألة. والآن نجد أنّ أغلب ما يُكتب في الإعجاز العلمي، على وجه المثال، يتسم بالتكلف والركاكة، فهل يجوز أن يحملنا ذلك على رفض الأبحاث الجادّة والابداعية؟! وما يقال في وجوه الإعجاز المختلفة يقال أيضاً في الإعجاز العددي، فأنت تجد أنّ الأبحاث الركيكة هي الغالبة في كتابات المعاصرين، وهذا أمرمتوقّع في كل علم. وعليه لا يليق برافضي فكرة الإعجاز العددي أن يجعلوا من أنفسهم فرساناً يصولون ويجولون، ويبارزون الفزّاعات الوهميّة، فيهدرون أوقاتهم وهم يناقشون أبحاثاً لا طائل منها، ويوهمون الناس أنّ هذا هو الإعجاز العددي.
إن حُبّ الإسلام، وصدق الرغبة في تنزيه القرآن، يدفعان إلى التدقيق والتحقيق، وإلى الدقّة والموضوعية، والمنهجية السويّة في القبول والرفض. أمّا المسارعة إلى الرفض، من غير علم وإحاطة بالموضوع، فهي من علامات عدم التقوى، قبل أن تكون من علامات الجهل، فكيف بهم وهم يهجمون على الناس بكل تهمة، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون؟!
أخرجنا عام 1990م كتاب :"إعجاز الرقم 19 في القرآن الكريم مقدمات تنتظر النتائج"، وناقشنا فيه بحث المدعو رشاد خليفة، وبيّنا مواضع الخلل في بحثه. وقبل ذلك قمنا بمراسلته، واستخدمنا كافة الوسائل للتحقق من انحرافه قبل أن نلمِّح بذلك. وقدّمنا للناس تفصيلاً بمواضع الخلل والزلل في بحثه. وعلى الرغم من إدراكنا لخروجه عن الإسلام، فإنّ ذلك لم يمنعنا أن نبيّن للناس المواضع التي أصاب فيها، وما لنا ألا نقبل الحق عندما يظهر، فالحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها.
نظراً لإدراكنا أهمية الإعجاز العددي، وانعكاساته الإيجابية على الدراسات القرآنية، فقد قمنا بتخصيص بعض الوقت للبحث والكتابة في هذا المجال. وقد منّ الله علينا بجمال هذا العلم وجلاله، ولا يزال القلم عاجزاً عن رسم جوانب هذا الجمال، ولكن المؤشرات تبشّر بخير عظيم. أمّا المعارضات فإلى وقت، ثم تتلاشى بعد أن يطمئن الناس إلى صِدقيّة هذه البحوث.
أربعة من العلماء الفضلاء، يعيشون في الخليج، أرسلوا إلينا بنقدهم لبعض أبحاثنا، وسرّنا هذا التوجه الإيجابي، وقدّرنا لهم صدقهم وحرصهم. وزاد من سرورنا أنّ رابعهم قام بتفنيد حججهم، مدوناً ذلك في هامش الأوراق. وبحكم تخصصنا في هذه المسألة، كان من السهل علينا أن نبين لهم وجه الحقيقة. والأمثلة الإيجابية على مثل هذه المواقف ليست قليلة. في المقابل رأينا صوراً مناقضة، لا يسرك أن تسمعها، نرى أنها من ضرورات الطريق، وكم تجنبنا الرد على من كتب في النقد، لعلمنا بأن ردنا سَيُحرج بعض الفضلاء، لعدم التكافؤ في هذه المسألة، فشتّان بين المقيم وعابر السبيل.إلا أنّ بعض الناصحين رأى أنه لا بد من ذلك، وليتحمّل الأخوة مسئولية تسرعهم وعدم منهجيتهم، ولا يضرهم ما يصيبهم إن كانوا صادقين مع الله.
آخر ما قرأناه في ذلك كتاب بعنوان :" الإعجاز العددي في القرآن بين الحقيقة والوهم" تأليف فاتح حسني محمود، حائز على الماجستير في التفسير وعلوم القرآن الكريم، من الجامعة الأردنية. والكتاب مطبوع عام 2002م. وكان يمكن أن نضرب صفحاً عنه، كما فعلنا مع غيره، عندما كنا نشعر بركاكة الطرح، ولكن عندما يكون الكتاب عبارة عن بحث مقدّم لاستكمال متطلبات مادة إعجاز القرآن الكريم، لطلبة الدراسات العليا في كلية الشريعة، قسم التفسير، وعندما يشرف عليه رئيس قسم حائز على درجة الدكتوراه- فريد السلمان-، وعندما يقرظ الكتاب كاتب اسمه إبراهيم محمد العلي، يصبح الأمر عندها مستحقاً لكتابة مقالة تُحصّن الناس من الانخداع بالألقاب، وقد تدفع البعض إلى التحقق قبل الإقدام على رفض خير عظيم، يبشّر بفتوح لها ما بعدها.
في البداية نقرأ في تقريظ الأخ إبراهيم محمد العلي الآتي:" ... فأتى على بنيان هذه الدراسات من قواعدها، وبين تهافت دعوى وجود الإعجاز العددي ... وقد اتسمت دراسته على وجازتها بالأدب في نقاش أصحاب هذا الرأي" وإليك بعضاً من هذا الأدب الجَمّ إذ يقول بعد التمهيد صفحة 11 :" إنّ فكرة العدد والأعداد في القرآن ليست وليدة معاصرة، بل هي مبكرة جداً قدم رسالة الإسلام بل هي ربيبة يهودية خبيثة، وحسابات يهودية بحتة وما هو حاصل في هذه الأيام هو زخرفة ..." وأمّا الأخ العلي فيستمر في تقريظه فيقول :" ... فسررت بقدرة الباحث العلمية، وبأدبه الجم ..." ولسنا معنيين بأدبه الجمّ، فهذه قضية يبدو أنها باتت نسبية. وما يهمنا هنا هو الجانب العلمي، فقد هالنا أن تصل جامعاتنا إلى هذا المستوى، وهالنا أن يباع العلم في سوق المجاملات، وعلى وجه الخصوص عندما يتعلق الأمر بكتاب الله العزيز.
لم يتيسّر لنا أن نقرأ أغلب الكتب التي انتقدها الكاتب، وعليه فالذي يعنينا في هذا المقام هو ما ورد من انتقاد لبعض أبحاثنا. ومع ذلك سيجد القارئ أمثلة على خطئه في انتقاد غيرنا، مع علمنا بوجود كثير من الأبحاث العددية التي لا تستحق المناقشة، يتخذها البعض مطيّة لرفض الإعجاز العددي برمته.
الكتاب صغير، ويتألف من 93 صفحة، وهو على وجازته مليء بالأخطاء، ولم يناقش المسألة مناقشة جادّة تليق بهذا الوجه من وجوه الإعجاز القرآني، ويلحظ أنّ الكاتب تابع في ردوده غيره ممن لا يشعرون بجلال المسألة ، وإليك أمثلة من هذا لكتاب الذي أشرف عليه دكتور يشرف على طلبة الماجستير، وقرظه كاتب يكتب في الحديث الصحيح:
1. في الصفحة 32 ينتقد الكاتب فاتح كتاب معجزة القرآن العددية، لصدقي البيك، ويقول إن الكاتب مبهور برشاد خليفة، وإن كتابه ثناء وتعزيز له. الحقيقة هي أن صدقي البيك قام بدراسة بحث رشاد خليفة، وبين مواضع الخطأ، ومواضع الصواب، وكان من القلة التي عملت على التحقق من صدق بحث رشاد خليفة، وكان ذلك قبل أن يظهر انحراف رشاد خليفة، وينكشف كذبه. فلماذا يتعمد الكاتب أن يسيء إلى الرجل، ويجعله مناصراً لرشاد خليفة؟! وليت الكاتب بذل من الجهد في التحقق معشار ما بذله صدقي البيك.
2. يقول الكاتب فاتح معترضاً على صدقي البيك صفحة 32 :" يقول إنّ مجموع حروف صاد في سورة ص ، مريم، والأعراف = 152، وهي 19×8 وهذا خطأ، فعدد الصادات في الأعراف 93 ومريم 23 وفي ص 29 والمجموع 145 وليس 152، فها قد رجعنا يا أستاذ صدقي فوجدنا العدد ليس كما تقول فهل رجعت أنت".
يَعرفُ صدقي البيك أنّ تكرار حرف الصاد في سورة الأعراف هو98، ولكنه لم يحسب على طريقته حرف الصاد في كلمة (بصطة) لأنها تقرأ (بسطة)، ويعلم صدقي البيك أنّ تكرار حرف الصاد في سورة مريم هو 26 وتكراره في سورة ص هو 29. وعليه يكون عدد الصادات، وفق ما بيته صدقي البيك، هو فعلاً 152. ونحن نفهم أن يقول البعض إن تكرار الصاد في الأعراف هو 98، وتكراره في مريم هو 26، فمن أين جاء الأخ فاتح بقوله 93 في الأعراف، و23 في مريم؟! ألا يستطيع أن يستخدم أبسط برامج الكمبيوتر للتحقق من إحصاءاته، وعلى وجه الخصوص عندما يتعلق الأمر بحرف كالصاد، وليس الألف أو الياء أو الهمزة، حيث يصعب ذلك في برامج الكمبيوتر؟!
3. ثم انظر إليه صفحة 33 كيف يسخر من الأستاذ صدقي، ويقول إنه أحصى تكرار السين فوجده 45 ويعقب فيقول:" أي ضياع للوقت هذا ولمصلحة من نقدم للناس معلومات خاطئة ما هو موقفنا من العالم حين يرى المستوى الفكري لعلماء المسلمين بهذا المستوى" في الحقيقة أخي القارئ أنّ إحصاء الأستاذ صدقي البيك هو الصحيح. ولو كنا نتمتع بأدب الأستاذ فاتح الجمّ لسألناه: " ... لمصلحة من تقدّم أنت للناس معلومات خاطئة..."؟!
4. ثم انظر إليه وهو يفنِّد بعض ما ورد في كتاب اسمه أسرار معجزة القرآن، لعبد الحليم السلقيني، حيث يقول الكاتب فاتح صفحة 42 :" ولو عددت عزيزي القارئ حروف الآية الأخيرة لوجدتها 73 وليس كما قال 72" ويقصد الآية 18 من سورة يوسف: " وجاءوا على قميصه بدم كذب ..." واضح أنه أخطأ في عدّ حروف كلمة (وجاءوا) ولو رجع إلى المصحف لوجدها قد كتبت دون ألف هكذا (وجاءو). واللافت أنه يَحوز على ماجستير في التفسير وعلوم القرآن، وأشرف عليه من يحمل الدكتوراه، ويشرف على رسائل الماجستير في علوم القرآن، ولم يخطر ببال أحدهما أنّ الرسم العثماني للمصحف هو توقيفي، أي عن الرسول صلى الله عليه وسلم وحياً، وبالتالي لا بد من الرجوع إلى المصحف في العدّ. وقد تكرر منه هذا الخطأ في أكثر من موضع، مما يدل على أنّ التعصّب قد أذهله عن الانتباه إلى أبسط الحقائق القرآنيّة!!
5. يقول في صفحة 51 : " ... أما أن نجمع عدد آيات السورتين ونقول إنه 222 ليوافق نظرية زوال بني إسرائيل وأنها سنة 2022 ونحسب حسابات عددية ..." وهو بهذا الكلام يُعرّض ببحثنا الذي أخرجناه بعنوان :" زوال إسرائيل 2022م نبوءة أم صدف رقمية" وهو بذلك يَعرض البحث بصورة ساذجة، لا واقع لها؛ فليس هناك في الكتاب العدد 222 وليس هناك جمع لكلمات سورتين بالصورة التي يطرحها، ومن يرجع إلى كتابنا المذكور، وعلى وجه الخصوص الطبعة الثالثة الصادرة هذا العام 2002م، وما تبعه من كتب تعززه، وهي كتاب: (لتعلموا عدد السنين والحساب 309) وكتاب (الميزان 456 بحوث في العدد القرآني) يدرك أنّ الأمر يختلف تماماً عن الصورة التي يحاول البعض أن يطرحها. ونحن نعلم أنهم لا يعلمون حقيقة الأمر، بل هو التقليد للآخرين من غير فكر ولا رَويّة.
هذه الأخطاء التي وقع فيها الكاتب فاتح حسني محمود بعض ما لاحظناه سريعاً عند انتقاده لكتب لم نقرأ منها سوى كتاب صدقي البيك، ولا ندري ما يمكن أن يكون عليه رد أصحاب هذه الكتب. وعلى أية حال كان هدفنا هنا أن نقدّم بهذه الملاحظات قبل أن نناقش ما ورد في ردوده على بعض بحوثنا، والتي خصص لها أقل من سبع صفحات صغيرة، على الرغم من أننا كتبنا في الإعجاز العددي، حتى الآن، ستة كتب؛ خمسة منها يمكن له أن يقرأها مطبوعة، أو منشورة في الصفحة الالكترونية لمركز نون لدراسات القرآنية. وإليك بعض مؤاخذاته، وانتقاداته، التي أقرّه عليها المشرف المختص:
1. حساب الجُمّل: هو إعطاء كل حرف من حروف (أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ) قيمة عددية، بحيث يمكن أن نعبّر عن عدد معين بكلمة أو جملة؛ فبدل أن نقول: (صَفَر) نقول: 370 على اعتبارأنّ قيمة الصاد 90 وقيمة الفاء 80 وقيمة الراء 200 ... وهكذا. وهو حساب مغرق في القدم، ولا يُعرف له بداية. واللافت أنه استخدم في اللغات السامية المختلفة، ومنها العربية، والعبرية ... وأكثر ما استخدم هذا الحساب في التأريخ. وعندما نزل القرآن الكريم كان العرب يستخدمون هذا الحساب؛ فهو إذن جزء من اللغة العربية، واستمر العرب باستخدامه بعد الإسلام. وبعد هذا التعريف بحساب الجُمّل، إليك بعض اعتراضات الكاتب فاتح على هذا الحساب:
أ. يقول صفحة 56 : " وقد استخدم هذا الحساب المشبوه الأصل ..." تصور عبقرية هذا الكاتب، وعبقرية من نقل عنهم، حيث يقولون إن الحساب مشبوه، هل يحتاج هذا إلى تعليق؟!
ب. يقول صفحة 57 : " هل يجوز لك يا أستاذ بسّام أن تطلق حكماً شرعياً خطيراً وخطير جداً بالاستناد على روايات تاريخية ظنية فردية متأخرة ..." أما الحكم الشرعي الخطير جداً فهو أنني قلت إنه لم يرد في الشرع ما يثبت، ولا ما ينفي حساب الجُمّل، وبالتالي فهو من المباحات. هذا هو الحكم الشرعي الخطير جداً، والذي يعاتبني الكاتب عليه، ويقره المشرف الدكتور، ويقرظه الكاتب الذي يكتب في علم الحديث. والأعجب من هذا أنه اعتبر أنّ الأمثلة التي طرحناها للتدليل على استخدام العرب لحساب الجُمّل في التأريخ هي الدليل الذي أخذنا منه هذا الحكم بالإباحة؛ انظر قوله صفحة 57 :" ... فهل التاريخ مصدر من مصادر التشريع وأنت خريج الشريعة يا أستاذ بسّام، وتقول إنّه لا غبار عليه من الوجهة الشرعية ..."!! نعم هذه هي طريقة الفهم والمعالجة، وهي ليست من خصوصيات هذا الكاتب، بل هو يقلّد بعض التقاة، الذين ابتليت الأمة بمنهجيتهم في التفكير والبحث. والمؤسف أن تسوّق هذه المنهجية الفظة عن طريق بعض الشكليات، والمظاهر، والألقاب.
ج. يكرر الكاتب القول إنّ هذا الحساب من عمل اليهود، وهذا لم يثبت إطلاقاً، لأن استخدام هذا الحساب قد عرف في اللغات السامية، بما فيها العبريّة، وعندما نعرف مثلاً متى بدأ العرب يطلقون على الجبل كلمة (جبل)، يمكن عندها أن نعرف متى بدأوا باستخدام حساب الجُمّل.
د. استخدم هذا الحساب في السّحر، والشّعوذة، والكهانة، والتنجيم. ولو تنطّح الكاتب لرفض وإدانة هذا الاستخدام لكان الأمر مفهوماً. ونذكّر هنا بأنّ الألفاظ القرآنية أيضاً قد استخدمت من قِبل السحرة، والمشعوذين، والمنجمين، فهل علينا أن نرفض القرآن من أجل ذلك الاستخدام المنحرف، أم ماذا ؟!
هـ. الذي يهمنا هنا أن يعلم القارئ الكريم أنّ دليلنا على وجود الجُمّل في القرآن الكريم يتمثل في استقراء القرآن؛ فإذا استطعنا أن نحشد الأمثلة الكثيرة على وجوده، فإنّ ذلك يكفينا. وإذا لم يُعتبر ذلك حُجّة، فيكفينا أن يطلع الناس على عجائب قرآنية، ولا ضرر في ذلك؛ فعندما نقول مثلاً إنّ جُمّل كلمة (أبيض) يساوي مجموع أرقام الآيات القرآنية التي وردت فيها كلمة (أبيض)، فإنّ ذلك يثير الانتباه، ويدعو إلى الاعتبار. فأين الحرمة في ذلك، وهل يُقبل إيمانياً أن نقول إنّ ذلك جاءعلى وجه الصدفة ؟! إن كان ذلك يصح في عقيدة الكاتب والمشرف، فإنه لا يصح في عقيدتنا؛ لأننا نقول إنّ كلّ ما نجده في القرآن الكريم هو مرادٌ لله سبحانه وتعالى.
و. يورد الكاتب صفحة 51 اسم كتاب (البيان في عدّ آي القرآن) لأبي عمرو الداني، ثم يدوِّن في الهامش سنة الطبعة، واسم المحقق للكتاب. وليتهُ رجع إلى آخر فصلين في الكتاب، ليجد أنّ أبا عمرو الداني قد خصصهما لحساب الجُمّل!! فليقل لنا لماذا عندما يكتب شيخ القراء في عصره حول عدّ آي القرآن الكريم يختم بالحديث عن حساب الجُمّل؟!
2. بعد أن يناقش الكاتب فكرة حساب الجُمّل بطريقته العجيبة، وبإشراف من يحوز على الدكتوراه، يبدأ بمناقشة بعض الأمثلة التي أوردناها في كتاب لنا:
أ. قلنا في كتابنا (إرهاصات الإعجاز العددي) " عُرِّف المسجد الحرام في القرآن الكريم بأنّه " للذي ببكة مباركاً " ، وجُمّل هذه العبارة هو 1063. وعُرّف المسجد الأقصى بأنّه: " الذي باركنا حوله ". وجُمَّل هذه العبارة أيضاً 1063... "
يقوم الكاتب في صفحة 58 و 59 بحساب عبارة " للذي ببكة مباركاً " فيجدها 1458 وليس 1063 ولم يخطر بباله أنّ الفرق الكبير يقتضي التدقيق والمراجعة، لأن الخطأ يمكن أن يكون في رقم أو رقمين، ولكنّه لم يكلف نفسه عناء البحث والتدقيق. أمّا السر وراء خطئه هذه فهو أنه حسب التاء المربوطة في كلمة (ببكة) بقيمة 400، أي أنّه اعتبرها (ببكت) في حين أنّها ترسم في القرآن الكريم (هاءً). والهاء في حساب الجُمّل قيمتها (5) وعليه يكون مجموع الجُمّل هو 1063. وهذا ما نجري عليه في كل البحوث، من غير استثناء. والغريب أنه يحمل الماجستير في التفسير وعلوم القرآن، ويشرف عليه من يحمل الدكتوراه، ولم يخطر ببال أيّ منهم أن كلمة (بكة) ترسم بالهاء. وإن أصرّ على اعتبارها تاءً فلماذا لم يقل ذلك للقارئ، حتى يكون موضوعياً في حكمه، أم أنها الأمانة العلمية تحول دون ذلك؟! ثم ليقل لنا، هو ومشرفه، لماذا رسمت كلمة (بينة) في القرآن الكريم أيضاً (بينت) وكذلك (امرأة) و (امرأت) وكذلك (نعمة) و(نعمت) ألا يوجد حكمة لهذا الاختلاف في الرسم ؟! وإليك أخي القارئ هذه الأسطر من كتاب متخصص في علوم القرآن الكريم واسمه :( المدخل لدراسة القرآن الكريم) لمحمد أبو شهبة، وهذا مجرد انتقاء عشوائي، يقول صفحة 305: ( وكتبت هاء التأنيث على خلاف الأصل تاء في مواضع من القرآن، وذلك مثل (رحمت) في البقرة وآل عمران وغيرهما، و(نعمت) في البقرة وآل عمران والمائدة وغيرهما، و (سنت) في الأنفال ... إلى غير ذلك) لاحظ قوله (هاء التأنيث).
ثم يقوم الكاتب بحساب جملة " الذي باركنا حوله " فيجدها 1064 وليس 1063. وقد خلص إلى هذه النتيجة على الرغم من أنّه يزعم أنّه قرأ الكتاب قبل أن ينقده، وهناك فكرة تتكرر كثيراً في الكتاب، بل تتكرر أيضاً بعد أسطر قليلة من المثال الذي خطّأهُ، وهي أننا نلتزم رسم المصحف الذي يسمى بالرسم العثماني، والذي هو في رأي جماهير العلماء توقيفي، أي بأمر الرسول، صلى الله عليه وسلم، وحياً. فلو رجع إلى رسم المصحف، لوجد أنّ كلمة (باركنا) تكتب دون الف، هكذا (بركنا). وعليه يكون الجُمّل 1063. فأين الخطأ ؟! ثم انظر إلى أدبه وهو يقول معقباً: " غريب هل هذا مقصود أم سهو ... فإن تعريض القرآن لهذه الأخطاء الشنيعة هو انحراف عن غاية وهدف القرآن ..." فمن هو الذي يرتكب الأخطاء الشنيعة يا أستاذ فاتح ؟! إننا ندرك أنّه أخطأ ولم يقصد الافتراء، ولكنّ خطيئته في سوء ظنّه بالمسلمين.
ب. في صفحة 60 يؤاخذنا لأننا لفتنا انتباه القارئ إلى أنّ جُمّل " المسجد الأقصا " وفق رسم المصحف هو 361 أي 19× 19. وأن جُمّل " بنو اسرءيل " وفق رسم المصحف هو أيضاً 361. ويخشى أن يؤدي ذلك إلى أن يقول اليهود إنّ المسجد الأقصى لهم ! يقول هذا على الرغم من أن كلامنا يُختم بالعبارة الآتية : " وقد وجدنا أكثر من دلالة لهذا التساوي، أشرنا إليها في بحث آخر، والمقام هنا لا يحتمل التفصيل.."، ثم نقول له في الهامش انظر إن شئت كتابنا (زوال إسرائيل 2022م نبوءة أم ُصدف رقمية).
ج. يقول صفحة60 : " ويقول إنّ جُمّل كلمة (نمل) هو 120 وهو نفس عدد آيات السورة، ونقول له لم هذا الانعدام في المنهجية فلم لم تحسب الألف واللام (النمل).... فهل من المنطق يا أستاذ بسّام خاصة وأنك حسبت حروف الحديد بعد قليل (6) أحرف ".
نقول: لم نقل إن عدد آيات سورة النمل هو 120 بل هو 93 آية. ثم إنّه لو قرأ المسائل التي ينتقدها لوجد أننا نحسب كلمة (الحديد) وكلمة (حديد)، كما سنرى بعد قليل، فلماذا يسأل والجواب تحت عينيه، وليس بعد صفحات؟!
أمّا ما قلناه حول سورة النمل، فخلاصته أنّ سورة النمل تُستهلّ بـ (طس) وقد لفت انتباهنا أنّ حرف الطاء يتكرر في السورة 27 مرّة، وهذا هو ترتيب سورة النمل في المصحف. وأنّ تكرار حرف السين في سورة النمل هو 93 وهذا هو عدد آيات السورة. وأن المجموع هو:( 27+ 93) = 120 وهذا هو جُمّل كلمة (نمل) فما هو الإشكال في طرح هذه الملاحظات؟! نعم وجدناها تساوي جُمّل (نمل) ولم نجدها تساوي جُمّل (النمل) فماذا نصنع، هل نكتم ذلك أم علينا أن نبحث عن السر وراء هذه الملاحظات العددية، في كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي هو كلام العليم الخبير؟!
د. يقول في صفحة 60 : " ... فحتى يعطي توافقاً بين ترتيب سورة الحديد وهو 57 في المصحف قال إنّ جُمّل الحديد 57 ولم يقل جُمّل حديد " العجيب أنّه في بداية حديثنا عن مسألة الحديد قلنا إنّ جُمّل (الحديد) هو 57 وهذا يوافق الوزن الذري للنظير الوسط. وقلنا إنّ جُمّل (حديد) هو 26 وهذا يوافق العدد الذري للحديد، ثم يقول لنا لماذا قلتم (الحديد) ولم تقولوا (حديد)... عجيب!!
ويقول صفحة 60 : " وقال إنّ الوزن الذري للحديد هو 57 وهذا خطأ ..." ثم يكتب في الهامش فيقول: " الوزن الذري للحديد ثابت وهو (55.8) ثم زاد الاكتشاف حتى وصل 5 نظائر ..." لو كان قد تدبر كلامنا وهو يقرأ لينتقد لأعفى نفسه من الوقوع في الخطأ المضحك، فما أظنه أتقن علوم القرآن التي تخصص فيها حتى ينصرف إلى الكيمياء.
نقول: إذا كان الوزن الذري هو مجموع (بروتونات + نيوترونات)، ومعلوم أنه لا يوجد ربع أو نصف بروتون أو نيوترون، فكيف يكون الوزن الذري 55.8 ؟ معلوم أن العدد الذري للحديد هو (26) وهذا لا يختلف، أمّا الوزن الذري؛ فعنصر الحديد عدده الذري (26) وأوزانه الذريّة هي: (59،58،57،56،55). ولا يوجد عنصر حديد عدده الذري 26 ووزنه 55.8 وإنما هذا لإعطاء فكرة عن نسبة انتشار هذه النظائر في الطبيعة. والعجيب أننا بيّننا ذلك في كتابنا. ثم أين الخلل من الناحية الشرعيّة عندما نلفت انتباه الناس إلى مثل هذه الملاحظات الجميلة؟! ونحبّ هنا أن نذكّر بأنّنا لم نقف في الكتاب عند هذا الحد، بل أثبتنا بالاستقراء أنّ النظير 57 مقصود دون غيره. وهذا يعني أنه يجب أن يُقدّم هذا النظير على غيره عند دراسة الحديد في القرآن الكريم. وكان يجب على الكاتب فاتح، بعد أن قرأ التفصيلات، أن يسأل نفسه: لماذا النظير 57 بدل أن يسألنا لماذا اخترنا النظير57؟! فنحن لم نختره، بل دلّت كل الملاحظات الاستقرائية على خصوصيته. فلماذا سكت الكاتب عن إيراد الملاحظات البديعة وتساءَل بما يوهم القارئ أن الأمر متكلف. هنيئاً للمشرف بهذا الطالب، الذي كان مقتنعاً بالإعجاز العددي كما يلمح، ثم انقلب لأن المشرف من الرافضين لهذا الإعجاز، ولا أظن أنه يعلم ما يرفض، إذ إنّ هذا هو واقع معظم الرافضين، بل لم نجد لذلك استثناءاً واحداً. وإننا نتمنى أن نجد ناقداً جادّاً يُصوِّب المسيرة، ويهدي السبيل، فإنّنا نخشى أن نكون وحدنا، فنقول في القرآن بغير علم.
هـ. انظر إليه صفحة 62 وهو يستشهد بقول القاضي أبو بكر بن العربي في رفض حساب الجُمّل: " ومن الباطل علم الحروف المقطّعة في أوائل السور، وقد تحصل لي فيها عشرون قولاً وأزيد ولا أعرف أحداً يحكم عليها بعلم ولا يصل منها إلى فهم، والذي أقوله إنه لولا أن العرب كانوا يعرفون أن لها مدلولاً متداولاً عنهم ..." واضح أنّ ابن العربي يتكلم هنا عن الحروف النورانية، والتي تسمى الفواتح، وما قيل في معناها. وكاتبنا يستدل بهذا على رفض حساب الجُمّل، وكان الأجدر به أن يرجع إلى سياق كلام ابن العربي، بدل أن يأخذ عن السّيوطي. ونحن مع ابن العربي في مذهبه هذا، لأنّ ما قيل في تفسير فواتح السور لا يستند إلى دليل معتبر شرعاً. أمّا حساب الجُمَّل فإننا ننكر على كل من استخدمه في السحر والشعوذة والكهانة والتنجيم، كما وننكر على كل من قال في القرآن بغير دليل معتبر؛ فالقول بأنّ جُمَّل حروف الفواتح يشير إلى عمر أمّة الإسلام لا يستند إلى دليل، ولا نحتاج في رفضه إلى أقوال العلماء. في المقابل لم ينكر العلماء على من استخدم حساب الجُمَّل في التأريخ. أما مسلكنا نحن فهو مسلك جديد، لم يعرف من قبل، وليس فيه قول لأحد، ويقوم على استقراء الألفاظ القرآنية، ثم عرض النتيجة على القارئ ليرى فيها رأيه، فهي بحوث أقرب إلى الوصف منها إلى إلى القول في القرآن.
و. يقول صفحة 62 :" ... فمثلاً حسب جُمّل (السنين والحساب) في سورة الإسراء فوجده 309 ففسرها ولتعلموا عدد 309 ... فلماذا حسب ( السنين والحساب) ولماذا لم يبدأ بالعد من عند (عدد السنين والحساب) ".
نقول: بعد الانتهاء من التعقيب على وعد الآخرة في فواتح سورة الإسراء، تأتي الآية 12 في السورة : " وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب، وكل شيء فصلناه تفصيلاً"
واللافت هنا الأمور الآتية:
1. الكلام عن عدد السنين والحساب بعد الكلام عن وعد الآخرة وزوال الإفساد الإسرائيلي من الأرض المباركة.
2. لدينا ملاحظات رياضية كثيرة تشير إلى أنّ كل كلمة في سورة الإسراء قابلت سنة. واللافت أنّ كلمة (والحساب) في الآية هي الكلمة (19).
3. في حساب الجُمّل لا بد من كلمة مفتاحية تدلك على العبارة التي يجب أن تحسبها لتصل إلى معرفة التاريخ المدّخر في العبارة، فمثلاً عندما يقول الشاعر:
فقلتُ لمن يقولُ الشِّعرَ أقصر لقد أرّختُ: مات الشعرُ بعده
يكون الحساب بعد كلمة (أرخت) أي نحسب عبارة (مات الشعر بعده) وقد يستخدم الشاعر كلمات أخرى مثل: (عدده، حسابه، تاريخه ...) وعليه فقد قمنا بحساب (السنين والحساب) التي جاءت بعد كلمة (عدد) فكان جُمّلها (309) فكأنه يقول (ولتعلموا عدد 309) ونحن لا يمكن أن نبني على هذه الملاحظة، ولكن يمكن لهذه الملاحظة أن تكون المفتاح الذي يفتح أمامنا بعض أسرار العدد القرآني، وهكذا كان؛ فقد لفت انتباهنا أنّ العدد 309 هو مدّة لبث أصحاب الكهف، وسورة الكهف تأتي بعد سورة الإسراء في ترتيب المصحف، مما يعني وجود التناسب بين السورتين. وعندما درسنا قصة أصحاب الكهف عددياّ، وجدنا علاقات عددية مدهشة لها ارتباط بالنتائج العددية في سورة الإسراء، فرأينا أن نعرض ذلك على القارئ، فكان كتاب: ( ولتعلموا عدد السنين والحساب 309) فليرجع إليه من شاء في صفحة مركز نون الالكترونية. وبهذا يتضح أننا لا نبني على حساب الجُمَّل، وإنّما نبني على ملاحظات تتعلق باللفظة القرآنيّة.
ز. تبدأ قصة الكهف في سورة الكهف بقوله تعالى: ( أم حسبت أنّ أصحاب الكهف والرقيم ..." وفي الآية 25 يقول سبحانه وتعالى: ( ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا) عندما يسمع الإنسان قوله تعالى : ( ولبثوا في كهفهم) ينتظر أن يجد الجواب فوراً بعد كلمة كهفهم، وفعلاً يأتي الجواب البياني: ( ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا) وإذا قمنا بعدّ الكلمات من بداية القصة فسنجد أنّ كلمة (ثلاث) هي الكلمة 309. وهنا يتساءل الكاتب فاتح لماذا كلمة (ثلاث) ؟ وكأنه لا يدرك أنها الكلمة التي تأتي مباشرة بعد كلمة (كهفهم)، إذ من المفترض أن يكون الجواب فورياً بعد كلمة (كهفهم)، كما هو في الجواب البياني. وإذا كان الجواب البياني مؤلفاً من خمس كلمات مترابطة لتعطي العدد 309، فإن ترتيب كلمة (ثلاث) يكفي ليعطي العدد (309). فلماذا نحسب كلمة غيرها. وهي التي تعطينا الجواب الفوري؟! وعليه فإنّ كلّ كلمة في قصة أصحاب الكهف قابلت سنة. ولا بد لذلك من فائدة، لأنّ القرآن هو كلام الخبير العليم، وبالتالي لا مجال للقول بالصدفة شرعاً. ثم إنّ التّواترات العدديّة تمنع من القول بالصُّدفة عقلاً.
ح. يقول الكاتب في صفحة 61 : " ... لكني وجدت أنه في الآية 48 قد عدّ (أوَلم) كلمة واحدة حتى يتوافق عده في حين أنّه يعتبر (لم) كلمة واحدة في مواضيع أخرى و (أو) كلمة أخرى، وفي الآية 76 عد (ما إنّ) كلمتان ولو اختل العدد معه لعدها كلمة واحدة كما حصل في الآية 48 " انظر كيف يُحسن الأستاذ فاتح الظنَّ بنا، ويتوقّع أننا لا نتّبع قاعدة، بل نتقلب كيف نشاء، لنحصل على النتائج. والأولى به أن يسألنا عن القواعد التي نلتزمها دائماً في كل بحوثنا من غير استثناء. ألا يكفي أن تكون هناك قاعدة مطّردة؟! والعجيب هنا أنّه لم يفرّق، لا هو ولا مرشده، بين كلمة (أوْ) و (أوَ) فيوجد كلمة تكتب منفصلة (أوْ)، ولا توجد كلمة تكتب (أوَ) بل تلحق دائماً بما بعدها مثل:( أوَلا، أوَلم، أوَليس، أوَكلما) فلو كان يحسن الطباعة فهل كان يكتب (أوَ) ثم يجعل فراغاً ويكتب (لا) في مثل كلمة (أوَلا) ؟! والمعنى في قولنا (فعل أَوْ لم يفعل) يختلف عن قولنا (أوَلم يفعل ؟) ويبدو أنّه لم يدرك أنّ الهمزة هنا هي همزة استفهام. وقد يحسن هنا أن نبين أنّنا نتعامل عند إحصاء الحروف والكلمات مع الرسم العثماني؛ أي أنّ الإعجاز هنا هو إعجاز الكتاب. ولو كنا نتعامل بالمعنى لقلنا إنّ (ماذا) أكثر من كلمة فهي (ما) ثم (ذا). ولنسأل الكاتب فاتح: هل يجوزعند قراءة القرآن أن نقف على (أوَ) في كلمة (أوَلم) مع العلم أنه بإمكاننا أن نقف على (أوْ) في قوله تعالى (لبثنا يوماً أوْ بعض يوم). وخلاصة الأمر أنّ (أوْ) كلمة مستقلّة، في حين أنّ (أَوَ) همزة استفهام مع واو العطف. ولا يستقلان، بل يتصلان رسماً بما بعدهما.
فليت مرشده أرشده، لأراحنا من هذا. وهو كما رأينا لم يكتف بوضع يدنا على الخطأ المزعوم لينصحنا، بل بادر إلى اتهامنا، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
ط. وأختم الكلام حول انتقاداته لنا، والتي هي أقل من سبع صفحات، بعرض كلامه في الصفحة 61، ثم نعرض كلامنا في المسألة، ليرى القارئ نموذجاً يُمثّل منهجه في عرض وانتقاد أفكار الآخرين. يقول الكاتب فاتح مقتبساً عنّا:
(ويقول صفحة 59 "إنّ في سورة القصص قد تكرر حرف الطا 19 مرة وعددنا مرات ذكر موسى وهارون في السورة فوجدنا أن اسم موسى تكرر 18 وهارون مرة وعليه يكون تكرار موسى وهارون 19 مرة، وتجدر الملاحظة هنا أن من بين كل الأنبياء لا نجد مثل هذا التلازم بين موسى وهارون بل لقد أرسلا معاً ") ثم يعقب قائلاً:
(لكن لو فرضنا أن تكرار حرف الطا هو 18 مرة وليس 19 ماذا تراه يقول، أنا أظن أنه سيقول إن تكرار حرف الطا هو بمقدار تكرار اسم موسى وينسخ كلامه السابق على اتحاد رسالة موسى وهارون.
وبنفس الصفحة يعتبر موسى م و س ي فيحسب حسابات الجُمّل لهذه الأحرف مع حساب الجُمّل لكلمة هارون ليخرج بنتيجة أن العدد 377 وهو نفس عدد كلمات الآيات التي ورد فيها ذكر موسى أو هارون.) انتهى
يبدو أنّه لا يعلم أنّ الألف المقصورة هي صورة ياء (ى). ويبدو أنّه لم يلاحظ أنّ الياء في آخر الكلمة هي غير منقوطة في رسم المصحف، لذلك أنكر علينا أن نحسب الألف المرسومة ياءً بقيمة عشرة.
بالرجوع إلى كتابنا (إرهاصات الإعجاز العددي)، الذي اقتبس منه الكاتب فاتح، يلاحظ القارئ عدم أمانته في الاقتباس؛ فلا هو اقتبس النص بحرفيته، ولا قام بوضع نقاط تبين مواضع الحذف من النص، ثم هو قام بالتقديم والتأخير في الكلمات دون مراعاة للنص الأصلي، ونسب الكلام إلينا، ووضع علامات تنصيص!! وإليك أخي القارئ النص الأصلي بكامله، كمثال على عدم دقته في طرح المسائل، وعدم مراعاته للأمانة العلمية:
]هناك (29) سورة في القرآن الكريم تفتتح بأحرف نورانية، منها أربع سور تبدأ بحرف الطاء وهي: ( طه: طه، طسم: الشعراء، طس: النمل، طسم: القصص). وقد جاء في كتاب (التعبير القرآني ) للدكتور فاضل السامرّائي ، في فصل فواصل الآي :
" … كل سورة تبدأ بالطاء ترد فيها قصة موسى في أوائلها مفصلة قبل سائر القصص مثل ( طه، وطس، وطسم في القصص، وطسم في الشعراء) وليس في المواطن الأخرى مما يبدأ بالحروف المقطعة مثل ذلك. فالقاسم المشترك فيما يبدأ بالحروف (ط) قصة موسى مفصلة في أوائل السورة …".
لفت انتباهنا عند البحث، أن حرف الطاء يتكرر في سورة القصص 19 مرّة، فلمّا قرأنا كلام الدكتور السامرّائي وقوله إن السور التي تبدأ بحرف الطاء ترد فيها قصة موسى عليه السلام مفصلة، سارعنا إلى إحصاء تكرار موسى وهارون في سورة القصص، فوجدنا أن اسم موسى تكرر 18 مرّة، وورد اسم هارون مرة واحدة. وعليه يكون تكرار موسى وهارون 19مرة. وتجدر الملاحظة هنا أنه من بين كل الأنبياء، لا نجد مثل التلازم القائم بين موسى وهارون، بل لقد أرسلا معا. كما ويجدر ملاحظة أن سورة القصص لم يرد فيها من أسماء الأنبياء إلا موسى وهارون عليهما السلام.
جمّل كلمة موسى هو116، وجمّل كلمة هرون، وفق رسم المصحف، هو 261. وعليه يكون مجموع جمّل موسى و هرون هو 377. إذا عرف هذا، فإليك الملاحظات الأربع الآتية :
أ- مجموع كلمات الآيات التي ورد فيها اسم موسى أو هارون في سورة القصص هو 377 وهو، كما قلنا، مجموع جمّل الاسمين معا.
ب- إذا فتحتَ كتاب ( المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ) لمحمد فؤاد عبد الباقي، تجد أنّ كلمة هارون قد تكررت في القرآن الكريم 20 مرة، فإذا جمعت الأرقام العشرين للسور التي وردت فيها كلمة هارون فستجد أن المجموع هو 377.
ج- السور التي تبدأ ب(ط) تتكرر فيها كلمة هارون سبع مرات في الآيات الآتية: (92،90،70،30) من سورة طه، والآيات ( 13، 48) من سورة طسم الشعراء، والآية (34) من سورة طسم القصص. وعليه يكون المجموع : (30+70+90+92+13+48+34)= 377.
د- تكرر اسم (موسى ) عليه السلام في السّور التي تبدأ ب(ط) 46 مرّة، وإذا ضربنا جمّل موسى بعدد تكراره يكون الناتج: (116×46) = 5336. وإذا ضربنا جمّل هرون بعدد تكراره في السور التي تبدأ ب(ط) يكون الناتج: (261×7) = 1827.
وعليه يكون المجموع : (5336+1827) = 7163 والمفاجأة هنا أنّ هذا العدد هو (19× 377).
لا نظن أنّ الأمر يقتصر على هذه الملاحظات الأربع، فنحن بحاجة إلى جمع الملاحظات المختلفة، لعلنا نصل إلى قانون في مثل هذه المسألة وغيرها [ انتهى.
وعليه نجد أن اعتراضاته على بحوثنا لم يسلم له منها اعتراض واحد، بل لم يكن قادراً على تجنب الخطأ في واحد من ردوده التي لم تتجاوز السبع صفحات. فكيف به لو لم يكن له مرشد ومقرّظ؟!
يزعم الكاتب في صفحة 77 أنّ القرآن الكريم لم يخص العدد 19 بأهمية، والقرآن الكريم مليء بالأعداد. وهذا غير صحيح؛ فبإمكانك أن ترجع إلى الآية 31 من سورة المدّثر لتعلم أنّ هناك خصوصية للعدد 19 دون باقي الأعداد، ويمكن مراجعة كتابنا (إرهاصات الإعجاز العددي) للتحقق من ذلك. ومن لم يجد الكتاب مطبوعاً فيمكن أن يجده في صفحة مركز نون للدراسات القرآنية وهي :www.islamnoon.com.
جاء في الصفحة 78 من كتاب فاتح حسني : " وبالمناسبة فإنّ من قام الإعجاز العددي قد أغفل القراءات القرآنية فهذا الأمر يقوض نظرياتهم أكثرفإن من القراءات ما يتغير منها الأحرف ومثاله القراءة المشهورة فتثبتوا، أيضاً فإن الخلاف في عد آي السور قديم بين الكوفيين والبصريين و ... فعلى أي حساب نحسب؟! فبحساب الحروف وبحساب الجُمّل أيضاً تتداخل كل حساباتهم وتنهار نظرياتهم ...".
ولنا هنا على هذا النص الملاحظات الآتية:
أ. معلوم أننا لا نقبل من القراءات إلا ما كان متواتراً عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، وكان موافقاً لرسم المصاحف العثمانيّة. فظهور إعجاز لإحدى القراءات لا يمنع وجود إعجاز للقراءات الأخرى، فكيف اعتبر أنّ تعدد القراءات يقوّض الإعجاز العددي؟!
ب. هذا الكلام تردد على ألسنة أكثر المعارضين، وكأنهم يفرحون بتعدد القراءات، حتى لا يمكن اثبات الإعجاز. وما علموا أنّ تعدد القراءات يزيد في إعجاز القرآن الكريم، بل إنّ هناك مَنْ كتب في إعجاز القراءات القرآنيّة.
ج. عندما نقرأ " وامسحوا برؤوسكم وأرجلَكم " بفتح اللام، ندرك أنّ الأمر يتعلق بغسل الرجلين في الوضوء. وعندما نقرأ " وامسحوا برؤوسكم وأرجلِكم " ندرك أنّ المقصود هو المسح على الرجلين في الوضوء. ومعلوم أنّ هناك غسل، وهناك مسح على الخف والجورب. فإذا وجدنا أنّ تعدد القراءات يؤدي إلى تعدد المعاني من غير تناقض، فما الذي يمنع أن تتعدد وجوه الإعجاز العددي بتعدد القراءات؟!
د. تعدد القراءات لم يؤثر في الرسم القرآني، إلا في كلمات معدودة، بيّنتها كتب علوم القرآن الكريم. وقد لاحظنا أنّ ذلك لا يمس جوهر الموضوع.
هـ. لقد توصّلنا بعد دراسة مستفيضة لاسباب اختلاف العد في آي القرآن الكريم، إلى أن ذلك يرجع إلى تعليم الرسول، صلى الله عليه وسلم، وعليه تكون الأقوال في عدّ الآيات تختلف كاختلاف القراءات، ومن هنا لا يبعد أن يعطي اختلاف العدّ في الآيات وجوهاً جديدة في الإعجاز.
و. ليس بالضرورة أن تعطي القراءة المتواترة ما تعطيه الأخرى، وإلا فما الحكمة من تعدد القراءات؟! ثم ألا يكفي أن نجزم أنّه قرآن كريم، حتى نبني على وجه من الوجوه ؟! وهل قام المعارضون بدراسة هذه القراءات ليثبتوا أنّ الإعجاز ينهار بتعدد القراءات، أم أنهم يطلقونها كلمات لا معنى لها. ولماذا لم يعطونا أمثلة تدلل على مزاعمهم.
ز. هناك سور أجمع العلماء على عدد آياتها تفصيلاً، وأخرى لم يختلفوا في عددها إجمالاً، وبقي الأمر يتعلق بسور محددة، وبالتالي يسهل دراسة ذلك لإدراك أنّه لا يؤثر في مسألة الإعجاز بشكل عام، وإذا افترضنا أنّه أثّر في مثال أو أكثر، فإنّه لا يؤثر في مجمل الإعجاز. ونعود إلى القول بأنّ الأمر يؤدي إلى إعجاز أشد، لتعدد الحيثيات التي ننظر منها، ليثبت في النهاية أنّ كل القراءات، وكل عدٍّ ثابتٍ للآيات هو توقيفي، عن الرسول، صلى الله عليه وسلّم ، أي بأمره وحياً.
ح. لقد بدأت تتجلى لنا وجوه إعجازية كثيرة، لا علاقة لها باختلاف القراءات؛ كترتيب السور، وعدد الكلمات، وترتيب الكلمات في السور، وترتيب الكلمات في القرآن الكريم، وإليك هذا المثال:
لم تذكر كلمة (النحل) في القرآن الكريم إلا مرّة واحدة، وذلك في الآية (68) من سورة النحل، وعدد كلمات الآية هو (13) كلمة. فإذا ضربنا رقم الآية بعدد كلماتها يكون الناتج: (68×13) = 884 وتكون المفاجأة أنّ هذا هو ترتيب كلمة النحل في السورة. وحتى لا يظن غير المؤمن أنّ هذا صدفة، قمنا بحشد الملاحظات المختلفة لاثبات أنّ العدد 884 يتكرر بشكل يستبعد احتمال الصدفة في عقل غير المؤمن. أمّا المؤمن فهو يدرك أنْ لا صدفة في كلام العليم الخبير، وبالتالي يبحث عن السّر في مثل هذا التوافق العددي، وهذا يؤدي إلى سلسلة اكتشافات، هي جائزة المؤمن الذي يعتقد بأن القرآن الكريم لا تنقضي عجائبه.
يقول الكاتب صفحة 83 معترضاً على اختلاف مناهج العادّين: " وهذا الكاتب نفسه عدّ (الإنسان) ستة أحرف بدون همزة وعد (الأكرم) في نفس الصفحة 6 أحرف فعد الهمزة " يبدوا أنّه لم يدرك أن كلمة (الإنسان) تكتب في المصحف هكذا (الإنسن) وعليه فإنها فعلاً ستة أحرف.
يقول الكاتب في صفحة 85 : " بسّام جرّار يعد حروف سورة نوح فتكون معه 953 حرفاً ويقول إنّ مدة لبث نوح هي 953 سنة بالضبط ... في حين يعدها المهندس عدنان الرفاعي 950 حرفاً".
ولنا هنا الملاحظات الآتية:
1. تكتب كلمة آخرة في المصحف هكذا: (ءاخرة) وهذه خمسة أحرف، فإذا أضيف إليها (ال) التعريف تصبح سبعة أحرف هكذا: (الءاخرة) وهذا أساس الخلاف في عدّ أحرف سورة نوح.
2. شيء طبيعي أن تختلف مناهج العادّين، وهذا حصل قديماً وحديثاً، والمهم هنا أن تكون هناك قاعدة مطّردة، لها سند صحيح من عقل أو نقل.
3. تساهم النتائج في إثبات القاعدة، لأن القضية استقرائية، والنتائج التي تحصلت لدينا، وفق قواعدنا المثبتة بالاستقراء، تعزّ على الحصر، مما يجعلها دليلاً لا يسهل نقضه. وفي الوقت الذي يأتي فيه غيرنا بنتائج مماثلة، وفق قواعد أخرى، يكون ذلك أشدّ إعجازاً.
4. يشترط عند اعتماد القاعدة، وعند التدليل عليها، أن يكون الدليل مقنعاً، يقبله العقل ويرضى به. وإليك هذا المثال التوضيحي:
عندما تكون (ما) نافية تحصى كلمة ويحصى ما بعدها كلمة أخرى مثل : (ما لم، ما ليس، ما لكم، وما تدري...) ففي هذه الأمثلة تكون (ما) كلمة، وما بعدها كلمة أخرى. وهذا واضح وغير ملتبس. أمّا عندما تكون (ما) استفهامية، فإن الأمر عندها قد يلتبس. والأصل أنْ تحسب (ما) كلمة، وما بعدها كلمة أخرى، ولكن استقراء اللفظة القرآنية يحملنا على اعتبار (ما) الاستفهامية وما بعدها كلمة واحدة، مثل: (مالك؟، مالكم؟، مالي؟...) والذي يدفعنا إلى القول بهذا ما ورد في القرآن الكريم، حيث تكتب عبارة مثل: ( ما لهذا الرسول؟) تُكتب في المصحف هكذا:( مال هذا الرسول؟) وتكررَ ذلك في رسم المصحف. وعليه تكون (مال) كلمة، أي (ما) الاستفهامية وما بعدها. وتأتي النتائج العدديّة فتدلل على ذلك. ومن هنا لا مانع من اختلاف الضوابط، لأنّ النتائج كفيلة بحسم الخلاف.
الخاتمة:
ستكون هناك محاولات كثيرة غير جادّة وغير مقنعة. وسيكون هناك تكلّف وتمحُّل. وسيبقى هناك إشكالات. وسيبقى هناك معارضون. كل ذلك لا يصرفنا عن الاستمرار في هذا الطريق المبارك، والمقدّمات تبشر بحصاد وفير.
إنّ ضعف وركاكة أدلة المعترضين تزيدنا قناعة بسلامة وصحة المسلك. وكم نتمنى أن يحظى الإعجاز العددي بتقييم العلماء الجادّين، الذين يمتلكون الفهم والمنهجية السّوية، والرغبة في الوصول إلى الحقيقة، والصدق في النصيحة. ونحن في مركز نون على استعداد لمحاورة كل المخلصين، من أجل الوصول إلى الحقيقة، ومن أجل إيمان يستند إلى الحقيقة.

الحداثة من المفاهيم التي تختلف فيها الآراء، وتتضارب فيها وجهات النظر، وهذا أمر مألوف في العلوم الإنسانية، والتي تتأثر بقوة بالفلسفات المختلفة، وهي تختلف عن العلوم الطبيعيّة، والتي تتميز بإمكانية تحديد المفاهيم، وحسم الخلافات، وهي أيضاً على النقيض من الرياضيات، والتي هي عالم الحقائق غير القابلة للاختلاف. ونحن هنا نرغب في بلورة مفهوم الحداثة على ضوء كتابات المؤمنين بالحداثة الغربية من العلمانيين الذين لا يؤمنون بإمكانية التقاء العلمانية بالدين، بل إنّ الدّين في نظرهم هو نقيض للحداثة. وإليك تلخيصاً لما يمكن أن تعنيه الحداثة في منظار الكثيرين من الحداثيين المادّيين، سواء أكانوا ماركسيين أم كانوا علمانيين:
1. الحداثة تعني سيادة العقل، وسيادة العقل من أهم أسس فلسفة التنوير، والعلمانية من أبرز ثمار الحداثة.
2. تتعارض الحداثة مع كل ما هو تقليدي، وهي تنفي كل الثقافات السابقة عليها.
3. الحداثة تعني التغيير المستمر، وهذا التغيير يؤدي إلى أزمات داخل المجتمعات التي تجد نفسها مضطرة إلى مراجعة القديم على أساس من العقلانيّة، والعقلانية هي التي تؤدي إلى الحداثة وليس العكس.وهذا ما حدث تاريخياً في أوروبا.
4. الحداثة تعني أنّ الحقائق تستمد قيمتها من كونها نتاجاً للعقل البشري، وهي تعني حرية الاختيار للقيم والأساليب، وبالتالي تُحل العلم محل الإله.
واضح أنّ الكثير من الحداثيين في بلادنا يجعلون من التجربة الغربيّة قانوناً عامّا، ومعلوم أنّ الحداثة الغربيّة تولّدت داخل الكنيسة الكاثوليكيّة الرومانية في القرن التاسع عشر، وأدّت إلى القول بنفي العصمة عن الكتاب المقدّس، وإلى إعادة تأويل التعاليم الكاثوليكيّة، وثبت بعد مضي ما يقارب القرنين أنّ الحداثة الغربية هي ظاهرة تاريخية فريدة، وهي غير قابلة لأن تتكرر، بل هناك من فلاسفة الغرب من يقول بأن مرحلة الحداثة قد انتهت في الغرب، وأنهم الآن في مرحلة ما بعد الحداثة، وقد أصبح واضحاً الآن أنّ الحداثة قد ضحّت بالإنسان لحساب التّقنيّات والوسائل المادية، وأصبح واضحاً أنّ العلم لم يحقق الآمال التي عقدت عليه، وعلى رأس هذه الآمال الحريّة الجوهريّة، فقد أصبح الإنسان حراً في الشكل، مستعبداً في الجوهر، وأصبح آلة صغيرة في دولاب ضخم لا يتوقف عن الحركة، وتفاقمت مشكلات الإنسان، وعلى وجه الخصوص الاجتماعية منها، ووقف العلم عاجزاً عن تقديم الحلول في مجال الإنسانيّات، على خلاف واقع العلم في مجال الكونيّات.
إذا كانت مرحلة ما بعد الحداثة هي وليدة مرحلة الحداثة، فإليك بعض تجليات هذه المرحلة:
1. الشكّ في كل شيء هو القانون، لا يقين على مستوى المعرفة، لا يستطيع الإنسان أن يؤكد شيئا، وهذا يعني أنه لا حقيقة.
2. يجب إسقاط أي سلطة فكريّة في المجتمع، وكذلك كل سلطة للقيم، ويجب أن تتلاشى كل القيم التي توجّه الثقافة وتحكمها.
3. هذا يعني أن الناس يركبون حافلة تسرع بلا فرامل، في طريق يغشاه الضباب الكثيف، والحافلة تسير على غير هدى، ولا هدف ولا غاية.
4. إنها الحريّة التي تقود إلى العبثيّة، والتي لا يدري أحد على أي صورة سيكون مولودها القادم، إنها الهروب من الإجابة عن السؤال الأزلي الهائل: لماذا الحياة؟ وما معنى الاستمرار؟ وماذا بعد؟
قدّست الحداثة العقل فكانت النتيجة الكفر بالعقل وقدرته على الحسم، وعقدت الحداثة الآمال على العلم في حل مشكلات البشرية، فتفاقمت هذه المشكلات، ويحسن هنا الاستشهاد بما نسب إلى المسيح عليه السلام"من ثمارهم تعرفونهم". وغني عن البيان أنّ العلوم الإنسانية هي موضوع الحداثة، وما يثور حولها من نقاش وجدل، أمّا تحديث الوسائل المادّيّة والعلوم الكونيّة فليس محل جدل، بل هو محل لقاء وتعاون، لعدم خصوصية العلوم الكونيّة. أما الرغبة في الحريّة المطلقة فقد أدّت إلى تحطيم ضوابط القيم مما أدى إلى سقوط الإنسان الغربي في براثن القلق، والخوف، والشعور بانعدام الوزن، وفقدان الغاية، مما أدى إلى فقدان كل شيء معناه… نعم هذا ما تبشر به الحداثة ووليدتها العلمانيّة.

الاجتهاد في الإسلام ودور العقل :
يقسّم الفقهاء المسلمون الأحكام الشرعيّة من حيث مصادرها إلى أربعة أقسام:
1. أحكام تستمد من مصادرها القطعيّة(النصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة) وهذه ليست محلاً للاجتهاد.
2. أحكام جاء فيها الإجماع وعلى وجه الخصوص إجماع الصحابة، وهذه أيضاً ليست محلاً للاجتهاد.
3. أحكام تستمد من مصادرها الظنيّة (النصوص قطعية الثبوت ظنية الدلالة، أو ظنية الثبوت قطعية الدلالة، أو ظنية الثبوت ظنية الدلالة) وهذه محل اجتهاد.
4. أحكام لم ترد فيها نصوص من قرآن أو سنّة، وهذه أيضاً محل اجتهاد.
نخلص من ذلك إلى القول بأن هناك ثابتاً ومتغيّرا، وهناك إطاراً واضح المعالم، وهناك روحاً تشيع يجب أن تصاحب كل من يجتهد، وغني عن البيان أن الاجتهاد هو إعمال العقل في فهم النّص، ويكون ذلك في إطار من الثوابت، والتي هي من إبداع العقل المؤهل، وعندما يغلب على الظن أنّ فهماً ما هو الأقرب إلى الصواب فإن الدين يلزمك بما رجح لديك، ولا يوجد مسوغ عقلي للأخذ بالمرجوح. وهذا يعني أنّ الدين يرضى منك في كثير من المسائل بما هو أقل من اليقين، وعلى وجه الخصوص في غير أساسيّات العقيدة والشريعة. أمّا الأساسيات فكان لا بد أن تقوم على الدليل القطعي باعتبارها المنطلق، وباعتبارها الإطار. وهذا كله يتناقض مع أسس الفلسفة الحداثية الغربيّة التي لا تؤمن بأي ثابت، وتنتهي بالتشكيك في كل الحقائق، في مسيرة أدّت إلى فقدان البوصلة، وأدّت إلى تحطم الأطر التي تحفظ الثقافة وتحمي القيم.
ولكن ما دور العقل؟
لم يكن للعقل دور في الإيمان الكنسي، ولم يُثبت العقل أنّ الكتب المقدّسة لدى اليهود والمسيحيين ذات صلة بالوحي، بل قامت الأدلة العقلية على بشرية هذه الكتب، ومن هنا كانت الحداثة الغربية في البداية هي إعادة تأويل التعاليم الكاثوليكيّة، وقد انبثق الفكر الحداثي من الأزمة التي عاشها الغرب في عصور التنوير، وهذا يتناقض تماماً مع واقع الإسلام، وواقع المجتمعات الإسلامية، إذ إن القرآن الكريم لم يكلفنا بالإيمان إلا عن طريق القناعات العقليّة، ولا بد أن يُثبت العقل صلة القرآن والسنّة بالرب الخالق، وهذا لا يعني أننا ننكر دور القلب في التوجه الإيماني، ولكن دور العقل لا بد أن يبقى قائماً من البداية وحتى النهاية، وإذا كانت الأزمة قد وجدت في الغرب في مرحلة التنوير، فإنّ الأزمة عندنا وجدت في عصور التخلف، أو نتيجة للتخلف، وبعودة الوعي عادت المصالحة، ولم تعد هناك أزمة إلا لدى دعاة الحداثة الغربيّة، وهؤلاء لديهم أزمة مزدوجة، أزمة نابعة عن فلسفة الحداثة، وأزمة ناتجة عن شعورهم بالغربة، وعلى وجه الخصوص عندما تصالحت الأمّة العربية والإسلامية مع ذاتها الحضارية، وهذا قد يفسر عنف الحداثيين في مواجهة الصحوة الإسلامية.
نعم لا بد من العقل، ومن هنا قال علماء الإسلام إنه لا يصح إيمان يقوم على التقليد، بل لا بد أن يقوم على الدليل العقلي حتى يقبل، لكن في المقابل نؤمن بأنّ العقل قاصر، وهذا من البدهيّات، ولكن قصوره لا يعني أنه غير قادر على الوصول إلى الحقيقة، ولنفرض أنّ ما رآه العقل حقيقة في عصر من العصور قد ثبت عدم صحته، فإنّ ذلك لا يطعن في قدرة العقل على الجزم والحسم في كثير من المسائل، بدليل تطور العلوم، وتحقق الإنجازات في عالم التقنيّات. وعلى أية حال فالقاعدة الذهبية يلخصها قول الله تعالى:" لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" أمّا أن يتخذ الحداثيّون قصور العقل وسيلة للتحلل من كل شيء، وذريعة لهدم القيم، فإنّ ذلك مما يرفضه الإسلام، فلو كان العقل قادراً على إعطاء الإجابة دائماً لما كان هناك حاجة لنزول الدين والأخذ بيد الإنسان. ولا ننسى أن الدين قد نزل ليعين الإنسان في مجال العلوم الإنسانية، ليس فقط لتنويره، بل أيضاً لتكليفه وإلزامه، أمّا علوم الطبيعة والكونيّات فقد تركت له، لقدرته على التعامل مع المحسوسات، وقد توسل الحداثيون بقدرة العقل في عالم المادة للزعم بأنّ ذلك ينطبق على العلوم الإنسانية، ثم عادوا ليشككوا في كل شيء.
ماذا عن تفسير القرآن الكريم؟
اليوم وبعد أن أخفقت محاولات العلمانيين والماركسيين في تغريب فكر الأمة، وبعد أن أخفق الفكر الحداثي، وبعد أن أصبح واضحاً أن الأمة تعود إلى فكرها، وثقافتها، وحضارتها، نجد أن كهّان الفكر الحداثي الغربي في بلادنا يسعون إلى الالتفاف على النص القرآني، لزعزعة أسس الفكرة الإسلامية. انظر إلى أقوال كبير من كبرائهم، وهو حسن حنفي، يقول صفحة 388 من كتاب الإسلام والحداثة:" ما لم نقض على هذا التصوّر الثنائي للعالم، ورؤية العالم بين حاكم ومحكوم، وعلى مستوى الديني بين خالق ومخلوق، فلن تستطيع حركات تحرير المرأة أن تفعل شيئا. ولن يستطيع المثقف العلماني أن يؤدي دوره ما لم نقض على هذا التصور.." وانظر إلى قول آخر:" أفضل طريقة للهجوم على الوعي الديني هي جعله كياناً مستقلاً من حيث هو علاقة بين العبد وربّه "، إذا كانت هذه هي الأهداف، فما هي الوسائل لتحقيق ذلك؟
يقولون: إنّ النص الديني ليس حكراً على الإسلاميين، وبإمكان كل إنسان أن يفسر القرآن، وأن يجتهد في الدين!! ونحن بدورنا نقول: نعم بإمكان كل إنسان أن يجتهد بشرطين: الأول أن يكون مؤمناً بالأسس، لأن الدين أمانة، وليس بإمكاننا أن نأخذ من إنسانٍ يسعى إلى هدم أسس الدين. والشرط الثاني: أن يكون من أهل الاجتهاد، أي أن تتوافر فيه الشروط المطلوبة، وهذا شرط يطلب في كل علم:في الطب، وفي الصيدلة، والأدب، والفلسفة… ويمكنهم إذا لم تتوافر فيهم هذه الشروط أن يتكلموا كما يشاءون، وهم يعلمون تماماً أن لا أحد يصغي لكلامهم، لأن الناس يسهل أن تميّز بعقولها وقلوبها، والواقع يشهد بذلك.
يقولون: من يستطيع أن يزعم أنّه يملك الحقيقة؟! ونقول بدورنا، هناك دائماً وفي كل المجالات من يزعم أنه يملك الحقيقة، ولكن الزعم لن يغني من الحق شيئا، فلا بد من الدليل والبرهان، وفي الإسلام لا نكفّر أحداً حتى ينكر ما علم من الدين بالضرورة، أي ما ثبت بدليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة، واشتهر بين المسلمين وأجمعوا على فهمه. أمّا في الأحكام الشرعيّة فيكفينا ما ترجحه الأدلة في حدود إمكانات الإنسان، وهذا من بدهيّات الإسلام، لأن الجانب العملي من الدين يكفي فيه غلبة الظن من أجل سير الحياة واستمرارها، ولا يعقل أن نجمد في الحاضر بزعم أنّه قد يظهر لنا الخطأ في المستقبل.
ويقولون: إن النص القرآني جاء لزمن معين، فيجب علينا أن نفسره على ضوء الواقع التاريخي، ويقصدون بذلك أن يترك لهم مطلق الحرية لإسقاط آرائهم ووجهات نظرهم على النص، فيكون لهم حرية تأويله بعيداً عن دلالات النصوص القطعيّة والظنيّة. ويقولون: إنّ علماء الإسلام يرفضون إعمال العقل في النص، وهم يعلمون أنّ ذلك غير صحيح، ويعلمون أنّ التاريخ الإسلامي حافل بالاجتهادات، والحوارات، والمناظرات الفكرية، وأنّ ذلك أفرز المذاهب، والمدارس الفكريّة. أمّا موضوع العقل والنص، فقد تم فيه التفصيل على أساس من البراهين العقلية.
وحتى لا نطيل الكلام في أقوال فلاسفة الحداثة بالمفهوم الذي بيناه، قد يكون من الأنسب أن نحدد موقفنا من تحديث التفسير بعيداً عن فلسفة الحداثة، وبعيداً عن أهدافهم في مواجهة الدين لنقضه وطمس معالمه.وقد يحسن في البداية أن نلخص موقف العلماء من تفسير القرآن الكريم وتأويله:
1. من حق كل إنسان أن يُعمل عقله في فهم القرآن الكريم، بشرط أن يُلم باللغة العربية، وأن يكون على معرفة بدلالات الألفاظ في عصر الرسول، صلى الله عليه وسلم، فكلمة (التأويل) على سبيل المثال لها في القرآن معنى آخر غير ما اصطلح عليه أهل التفسير فيما بعد.
2. الأصل بقاء النصوص على ظاهرها، والأصل أن تدل على معانيها كما وُضعت في اللغة، ويمكن صرف المعنى من الظاهر والحقيقة إلى المجاز أو الكناية إذا قام الدليل الذي يدعونا إلى ذلك.
3. التأويل والذي هو صرف المعنى عن حقيقته مقبول إذا دل عليه دليل صحيح من اللغة، أو الشرع، أو العقل.
4. إذا تم صرف اللفظ عن معناه الظاهر (الراجح) إلى معنى (مرجوح) وقام الدليل على صحة ذلك، يصبح المعنى المرجوح راجحاً.
5. الأصل بقاء العام على عمومه حتى يأتي ما يخصصه، والأصل بقاء المطلق على إطلاقه حتى يأتي ما يقيده، ونقصد بـ (يأتي) هنا، أن يقوم الدليل على ذلك.
6. لا يكفي الإلمام باللغة العربية للتصدي لتفسير القرآن الكريم، فلا بد من الإلمام بعلم القراءات، وعلم أصول الفقه، وعلم الكلام، ولا ننسى أن أسس علم الأصول تستمد من القرآن، والسنة، واللغة العربية، والعقل، وكذلك علم الكلام.
7. أهل السنة والجماعة يعترفون بقصور العقل البشري، لذلك نجدهم يقدّمون الوحي، وهذا لا يقدح في مكانة العقل، بل هو اعتراف بقصوره، وهذه مسألة خاض فيها العلماء، واختلفت فيها المدارس الفكرية التي لم تخرج على أسس الإسلام وروحه. ولا ننسى أن الوحي لا يثبت إلا بالعقل.
8. قول العلماء :"لا اجتهاد في معرض النص" يقصد به النص القطعي في ثبوته القطعي في دلالته كقوله تعالى :"إنما إلهكم اله واحد".
من يرجع إلى تاريخ تفسير القرآن الكريم يجد أن هناك عدة مدارس منها المدرسة التي تقتصر على التفسير بالمأثور، وتنكر التفسير بالرأي، وهذا أدى فيما بعد إلى وضع قواعد وضوابط للتفسير بالرأي، ويندر أن نجد اليوم من ينكر التفسير بالرأي القائم على أسس علمية سليمة، أما الرأي الذي لا يقوم على أسس، وإنما هو الأوهام والأهواء، فهو ما يسمى عندهم بالرأي المذموم، والمتدبر لكتب التفسير القديمة والحديثة يجد الكثير من المفسرين يعكسون خبراتهم وخبرات عصورهم في تفاسيرهم، ويلحظ بجلاء تجليات العقل، الذي يغلب أن يكون محكوماً لمعطيات العصر، وتجليات البيئة. فماذا يقصد الحداثيّون عندما يطالبون بعقلنة التفسير، فهل غاب العقل يوماً؟! وكيف يمكن أن نبدع في التفسير بعيداً عن العقل والعلم؟! إن الكثير من المفسرين يغلب أن يكونوا من أهل الإبداع.
مدارس التفسير في القرن العشرين :
تميّز القرن العشرون بظهور مدارس عملت على تحقيق انطلاقة في منهج التفسير، رغبة في الإصلاح والتحديث، ومن أشهر هذه المدارس حسب ظهورها تاريخياً:
1. المدرسة العقلية: وهي مدرسة تُعلي من شأن العقل، وتسعى إلى الإصلاح الاجتماعي من أجل معالجة أسباب التخلف في العالم الإسلامي. وعلى رأس هذه المدرسة الإمام محمد عبده، وتلميذه الشيخ محمد رشيد رضا.
2. المدرسة العلميّة: وهي مدرسة تعمل على تفسير القرآن الكريم على ضوء المعارف العلميّة المعاصرة، ويعتبر طنطاوي جوهري من الرواد الأوائل لهذه المدرسة.
3. المدرسة الأدبيّة: وهي مدرسة تنطلق من كون القرآن معجزة بيانيّة، لذلك يعتبر البيان هو المسلك السوي لتجلية معاني القرآن الكريم ومراميه.وكان الشيخ أمين الخولي من أبرز روّاد هذه المدرسة، وسار على خطاه تلميذته وزوجته عائشة عبد الرحمن(بنت الشاطئ).
4 . المدرسة الحركيّة: وهي تلتقي مع المدرسة العقليّة، وعلى وجه الخصوص في نزعتها الإصلاحية، والاجتماعيّة، ورغبتها في ربط تفسير القرآن الكريم بواقع الأمّة، وتشخيص هذا الواقع، ومحاولة وضع الحلول لمشاكلها. إلا أنّ هذه المدرسة تجنّبت المزالق التي وقعت فيها المدرسة العقلية في الموقف من النصوص، فهي أكثر نضوجا، وهذا أمر مفهوم نظراً للفارق الزمني.
5. هناك من يرى أنّ هناك إشكالاً في مفهوم التفسير ومناهجه، ويرى في التفسير الموضوعي بديلاً ينبغي أن تتوجه إليه عناية المفسرين.
الموقف من تحديث التفسير:
يمكن أن نلخص الموقف من التحديث في النقاط الآتية:
1. القواعد والضوابط والشروط التي وضعها العلماء، والتي يجب توافرها في المفسر أو المجتهد، هي من تجلّيات عقول المفسرين والمجتهدين، وهذا لا يعني أن نتوقف عندها، بل يمكن أن نبدع في ضوابط أكثر دقة، وأصوب منهجية.
2. يتناسب فهمنا لمعاني القرآن الكريم تناسباً طردياً مع وعينا، وخبراتنا، ومنهجيتنا في التفكير، فنحن نأخذ من القرآن بقدر وسعنا، وهذا يعني أن الأخذ من القرآن الكريم يتصاعد بتصاعد الوعي البشري.
3. فَهمُ العلماء عبر العصور هو تراث، ولا يتسم بالقداسة، ويمكن مراجعة كل قول من أقوالهم. وإذا قام الدليل على خطئهم تعين علينا أن نتبنّى ما قام عليه الدليل.
4. يمكن الاستفادة من التطورات التي حدثت في مناهج البحث والاستنباط والتدليل، ويبقى العقل حكماً عدلاً على الرغم من قصوره.
5. التحديث في الوسائل، والطرائق، والمناهج، يُجلّي إعجاز القرآن الكريم، كما هو الحال في التطور عند علماء الطبيعة والكونيات، كيف لا، والذي خلق هو الذي أنزل، سبحانه وتعالى؟!
6. تبشر العلوم الحديثة بتجليات قرآنية، وقد أصبح هذا واضحاً على ضوء ما حصل في القرن العشرين، فإن الكثير من وجوه الإعجاز ظهرت وتجلت بعد أن تقدم الناس في العلوم المختلفة، سواء أكانت علوماً إنسانية، أم كانت علوماً كونية.
7. الحركة الفكرية التي أحدثها القرآن الكريم، ونتج عنها المدارس، والمذاهب، والفرق، لم تكن ظاهرة تاريخية انقضت، بل هي حركة مستمرة باستمرار العلاقة السوية بالقرآن الكريم، ومن هنا يتوقع أن نشهد قفزات واسعة تتعلق بعلوم القرآن الكريم، على ضوء التطورات المعاصرة.
8.القرآن الكريم كتاب في العقيدة، والشريعة، والأخلاق، والتاريخ …………وهو أيضاً كتاب في منهجيّة التفكير، بشرط أن يتم التعامل معه مباشرة، والدارس للتاريخ يلحظ أن البشرية قد قفزت قفزات واسعة في منهجية التفكير بعد نزول القرآن الكريم، ويلحظ أن أول ما ظهر من العلوم بعد نزول القرآن هي العلوم المنهجية مثل: علم أصول الفقه، و علم أصول الحديث، علم النحو والصرف. وليس من قبيل الصدفة أن يظهر الفقهاء قبل ظهور علماء الفيزياء والكيمياء والجبر…..واليوم يمكن أن نستمد المنهجية بالتعامل المباشر مع القرآن الكريم، وإذا تكونت المنهجية السليمة نكون قد وصلنا إلى مفاتيح الحل لمشكلات الحياة، وليس مفاتيح فهم القرآن فقط. ولا شك أن الكثير من الاشكالات الفكرية والعلمية التي نشأت في التاريخ كانت ترجع إلى الخلل في منهجية التفكير، ومنهجية البحث، ومنهجية الاستنباط والاستقراء….
9. إن أي نص بشري يمكن أن يحمل من المعاني ما لا يقصده الكاتب، وهذا غير متصور في نص هو من وحي الله سبحانه وتعالى، بل إن كل ما يحتمله النص هو من مراد الخالق، ونعني بذلك الاحتمال الذي يقوم عليه الدليل، ولا يتصور أن يتضمن القرآن الكريم من المعاني ما لا يريده الله تعالى، وعليه لا يجوز أن نتوقف عند حد في الفهم والاستنباط، لأن علم الله مطلق، وعلم البشر محدود مقيد.
تجربة مركز نون :
مركز نون للدراسات والأبحاث القرآنية، مركز يعنى بالدراسات الإعجازية، وعلى وجه الخصوص ما نسميه الإعجاز الرياضي (العددي)، وقد وجدنا أن لهذه المنهجية الجديدة في التعامل مع القرآن الكريم انعكاسات إيجابية على علوم القرآن الكريم، ومنها علم التفسير، ويمكننا اليوم أن نحسم الكثير من الخلافات المتعلقة بتاريخ القرآن الكريم عن طريق الاستعانة بالإعجاز العددي، ويسهل عن طريق هذا الوجه من وجوه الإعجاز أن نفند مزاعم الحداثيين، الذين يقولون بأن القرآن يعبر عن مرحلة تاريخية محددة، أو أنه وحي يخاطب الناس في عصر من العصور. نعم إنّ التحديث في المنهج هنا سهّل علينا الرد على مزاعم الحداثيين بالمفهوم الغربي للمصطلح. لقد أصبحنا اليوم أكثر استشعاراً لبعض معاني قوله تعالى في حق القرآن الكريم :"تبياناً لكل شئ".
إنّ اكتشاف بعض البنى الرياضية القرآنية في عصرنا هذا، يدل على أن القرآن الكريم يخاطب عصرنا هذا، مما يفند مزاعم من يرى أنه خطاب لفترة تاريخية مضت وانقضت، كيف بنا وقد وجدنا أن هذه البنى تُجلّي بعض المعاني والأسرار، وتلفت الانتباه إلى دلالات جديدة لا تتعارض مع الدلالات الظاهرة للألفاظ والتراكيب، بل تعززها وتثريها، وتضيف إليها.
وأخيراً فلتأت الحداثة بما تشاء، وليدلِ الحداثيون وغيرهم بما شاءوا، فتاريخنا زاخر بأمثالهم، ولا يخشى طروحاتهم إلا من فقد ثقته بعقيدته، وثقافته، وحضارته. أما القرآن الكريم فيبقى كتاب الله الذي لا تنقضي عجائبه ولا يَخْلَقُ على كثرة الرد، وأما نحن البشر فبحاجة دائمة إلى التحدي، ليتحصل لنا التعلم المجدي، "فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض". ومن لم يكتف بالقرون دليلا، ومن لم يتعظ بما حصل في القرن العشرين، فما أظنه سيعيش عمر نوح عليه السلام، وسيبقى هناك من يجادل، لتتحقق حكمة الله. "…وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال…" 13 الرعد.

القرآن الكريم يزيد قليلاً عن 77 ألف كلمة، وهذا يعني أنّه يعادل كتاباً من 300 صفحة تقريباً. ومثل هذا الحجم لا يتضمن ، في العادة، الكثير من المعلومات والمعارف والخبرات. وعلى الرغم من ذلك فقد أحدث القرآن الكريم تغييراً هائلاً وجذرياً في مسيرة البشرية الفكرية والسلوكية، مما يجعلنا نتساءل عن سر الانطلاقة الفكرية التي حدثت بعد نزوله. وظاهر الأمر أنّ السر لا يكمن في الكم الهائل من المعلومات، لأنّ مقدار 300 صفحة لا يكفي في العادة لإعطاء إلا القليل من المعلومات. والذي نراه أنّ السّر قد يكمن في المنهجية التي يكتسبها كل من يتدبر القرآن الكريم.
عند تَصفُّح أي كتاب نجده في الغالب يتسلسل في الفكرة والمعلومة من البداية حتى النهاية، ويرجع هذا الأمر إلى رغبة الكاتب في إعطاء القارئ المعلومات والخبرات. ولكن من يتصفّح القرآن الكريم يلاحظ أنّ اكتشاف التسلسل يحتاج إلى تفكر وتدبر. من هنا نجد أنّ غير العرب يشعرون عند قراءة ترجمة القرآن الكريم بأنه غير مترابط في كثير من المواقع. ويرجع هذا إلى أنّ القرآن الكريم يخالف في صياغته مألوف البشر، ثمّ إنّ كلماته المعدودة تحمل المعاني غير المحدودة. ولا ننسى أنّ إعجازه بالدرجة الأولى يرجع إلى لغته، وبيانه وإيجازه…وأنّ فهمه يحتاج إلى تدبر. ويلحظ أنّ من يعتاد تدبره تنشأ لديه منهجيّة في التفكير والاستنباط. وإذا وجدت هذه المنهجيّة أمكن أن يوجد الإنسان المبدع. وكل من يتعمق في تدبّر القرآن الكريم ودراسته يلمس الترابط بين معاني كلماته، وجُمله، وآياته، بل وسوره. ولا يزال علماء التفسير يشعرون بحاجتهم إلى التعمق أكثر من أجل إبصار معالم البنيان المحكم للألفاظ والجمل القرآنية.
الدارس لتاريخ الفكر الإسلامي يلاحظ أنّ ظهور علم أصول الفقه، وعلم أصول الحديث، وعلم الكلام، وعلم النحو والصرف، كل ذلك كان قبل ظهور علوم مثل؛ الطب، والصيدلة، والكيمياء، والبصريات…وغيرها من العلوم. من هنا فقد ظهر العلماء والفقهاء واللغويون من أمثال مالك، والشافعي، والخليل بن أحمد، قبل ظهور الرازي، وابن سينا، وجابر بن حيّان، وغيرهم. وهذا أمر بدهي؛ فعلم أصول الفقه هو علم في منهجيّة الاجتهاد والاستنباط. وعلم أصول الحديث هو علم في منهجية البحث التاريخي. وعلم النحو هو علم قائم على منهج الاستقراء. وعلم الكلام هو الأساس الفلسفي للفكر الإسلامي.
فيما بعد أدّى التطور في منهجيّة التفكير لدى المسلمين إلى ظهور العلوم المختلفة؛ فكانت البداية تتعلّق بالأسس المنهجيّة، وكانت الثمار تتمثّل بالعلوم المختلفة، ومنها العلوم الكونيّة. ويمكننا اليوم أن نقسّم تاريخ الفكر البشري إلى مرحلتين؛ مرحلة ما قبل الإسلام، ومرحلة ما بعد الإسلام، حيث تميّزت المرحلة الثانية بمنهجيّة مستمدة من القرآن الكريم، أدت إلى نهضة فكرية وعلمية هائلة أفرزت في النهاية الواقع العلمي المعاصر، حيث من المعلوم أنّ الغرب قد تتلمذ على المسلمين، وعلى وجه الخصوص في الأندلس وجامعاتها، إلى درجة أنّهم لم يعرفوا سقراط، وأفلاطون، وأرسطو، وغيرهم من الفلاسفة الغربيين، إلا من خلال ترجمات علماء المسلمين.
إذا كان القرآن الكريم قد طوّر منهجيّة التفكير لدى الصحابة والتابعين وأتباعهم…فلماذا لا يؤثر اليوم في منهجيّة التفكير لدى كثير من المسلمين، والذين يتلونه صباح مساء؟!
للإجابة عن هذا التساؤل نقول: اللافت للانتباه أنّ الغالبية الساحقة ممن يقرأ القرآن الكريم اليوم لا تزيد على أن تتلوه بصوت مسموع، أو بشفاه متحركة، ويندر أن نجد من يقرؤه متدبراً لمعانيه، متفكراً في مُشكلاته؛ إذ لا تتشكّل منهجية التفكير لدينا إلا عند تسريح الفكر في معانيه، وتراكيبه، وأساليبه، وتصريفاته…
والدارس لتاريخ التفسير والفقه، ومناهج المفسرين والفقهاء، يدرك أنّ هذه المنهجية قد تجلّت لدى المفسرين والفقهاء المجتهدين؛ أي لدى الذين تعاملوا بعمق مع النص القرآني الكريم. وحتى يتحقق الأثر المنشود على مستوى مناهج التفكير، لا بد أن نضيف إلى تلاوة القرآن الكريم التدبّر، بل لا بد من تقديم التدبر على التلاوة، والفهم على الحفظ. ولا شك أنّ المتدبر الحافظ هو أقدر من غيره على النظر بشمول إلى القرآن الكريم، وهو الأقدر على تفسير القرآن بالقرآن، ثم هو الأقدر على الملاحظة والربط، إلا أنّ مداومة النظر في القرآن الكريم قد تغني عن الحفظ، مع إقرارنا وتأكيدنا أنّ الحفظ هو من مقاصد التربية القرآنية.
الصحابة والتابعون، رضوان الله عليهم، وهم أهل اللغة والبيان، عندما كانوا يتدبرون القرآن الكريم، فيشكل عليهم، يأخذ ذلك حظاً من تفكيرهم، ويلجأ بعضهم إلى بعض يتشاورون؛ فهذا معاوية، رضي الله عنه، يدخل عليه عبد الله بن عباس، فيقول معاوية: "لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة، فلم أجد لنفسي خلاصاً إلا بك". ويعرض عليه آية من الآيات التي استشكلها، فيبيّنها عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما. وهذا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وفي أكثر من موقف، يجمع الصحابة ويناقش معهم معنى آية كريمة أو أكثر. أما اليوم فيكتفي الكثير من الناس بالرجوع إلى كتابٍ من كتب التفسير عند استشكال معنى آية من الآيات، ويندر أن يتمّ الرجوع إلى أكثر من كتاب في التفسير، ويندر أيضاً أن تتم مناقشة ذلك مع آخرين للتوصل إلى فهم أفضل. فلا عجب بعد ذلك أن لا تتشكل عند الكثيرين منا المنهجيّة المأمولة. في المقابل لا عجب أن يتأثر الصحابة والتابعون بالقرآن الكريم، ثم تتشكّل لديهم المنهجيّة في التفكير، فيظهر أثر ذلك فيما تحصّل من تطوّر سريع ومتصاعد على مستوى الفكر، والمعرفة، ومناهج البحث، والعلوم المختلفة، حتى بلغ كل ذلك أوجهُ في القرن الرابع الهجري.
ويجدر في هذا المقام أن نشير إلى تجربتنا في (ندوة نون)، حيث يُكلّف كل شخص من المشاركين في الندوة أن ينظر في عدد من كتب التفسير، ويتفكّر في معاني آيات معيّنة، ويكون ذلك في مدى أسبوع. فإذا كان عدد المشاركين عشرة أشخاص، مثلاً، فإنّ ذلك يعني أنّ المجموع قد اطلعوا على ما لا يقل عن ثلاثين تفسيراً. وقد يرجع الشخص الواحد إلى أكثر من عشرة تفاسير. وفي يوم الندوة تتم مناقشة الآيات الكريمة، ويكون التوقّف طويلاً عند الآيات التي تُشْكِل. ويتاح لكل شخصٍ أن يطرح آراءه ووجهات نظره التي تُناقش، فتُعزز أو تُفنّد. وقد لوحظ أنّه، وفي كل جلسة، تتجلى معانٍ، وتتفتح مغاليق، بل وتبرز إبداعات في الفهم نأمل أن يكون لها شأن في تفسير القرآن الكريم. والمراقب للندوة يلاحظ تميّز المشاركين فيها بمنهجيّة في الاستنباط والتفكير.
تؤكد مسيرة التفسير عبر القرون الماضية على حرص المفسرين على اتخاذ فهم السابقين أساساً في بناء فهمهم الخاص؛ فليس بإمكان أحد أن يستغني عن فهم السلف في التفسير لأسباب من أهمها:
أ- أنهم أهل اللغة، وعنهم أخذنا علومها .
ب- حرصهم على نقل ما صحّ عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في تفسير القرآن الكريم، وكذلك ما صحّ عن الصحابة والتابعين.
قلنا إنّ عدد كلمات القرآن الكريم يزيد قليلاً عن 77 ألف كلمة، وهذا يعادل 300 صفحة. ويتضمن القرآن الكريم 114 سورة؛ منها السور الطويلة، والسور القصيرة. ولا تزيد أطول سورة عن 24 صفحه، في حال أنّ كل صفحة تتألف من 260 كلمة، في حين تتألف أقصر سورة من عشر كلمات. أما باقي السور فهي بين ذلك طولاً وقِصراً. وتتألف كل سورة من عدد من الآيات، وإذا عرفنا أنّ متوسط عدد كلمات الآية الواحدة هو 12.4 كلمة، وأنّ بعض الآيات تتكون من كلمة واحدة أو كلمتين، تبيّن لنا أنّ هذا الأسلوب يختلف عما اعتاده البشر في كتاباتهم. وقد يكون هذا المنهج في العرض من أسرار تأثير القرآن الكريم. والمتدبّر يلاحظ أنّ الآيات المكيّة غالباً ما تتسم بالقصر، في حين أنّ الآيات المدنية، إجمالاً، تتسم بالطول النسبيّ. ومعلوم أنّ التركيز في المرحلة المكيّة كان على الجانب العَقَديّ، وهذا يعني أنّ طرح العقيدة يحتاج إلى الأفكار المركّزة والسريعة، بعيداًَ عن التطويل والتفريع. وهذا يرشدنا إلى اعتماد أسلوب الشِّعار في الدعوة إلى الأفكار والعقائد، فذلك أسرع في تبليغ الفكرة وتعميمها، وأسهل تناولاً. أما أسلوب الفلاسفة، فلا يصلح إلا لفئة قليلة متخصصة. ومن ينظر في سورة الإخلاص، مثلاً، يلاحظ أنها شعار واضح، ورسالة سريعة وحاسمة، تجلجل بعقيدة التوحيد: "قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد". وهذا يرشدنا إلى المنهجيّة التي يجدر أن نتبعها عند مخاطبة عامّة الناس، وفي الدعوة إلى الفكرة والمبدأ، ويدعونا إلى الاستفادة من منهجيّة القرآن المكي والمدني، لتوظيفها في مخاطبة الناس، بحيث يكون لكل مقامٍ مقال .
في أكثر من مّرة أعرضنا عن شراء كتب نفيسة بسبب أسلوب العرض فيها؛ حيث السرد المتواصل، فلا تبويب، ولا فقرات، ولا علامات ترقيم... ولو عُرِضت علينا مثل هذه الكتب بالمجّان لترددنا في أخذها، لعِلمنا أنّها ستأخذ من مساحات رفوف المكتبة، ولعِلمنا بأن لا دافعيّة لدينا لقراءَتها، بل إنّ القراءة فيها ضرب من المعاناة. وقد تُفاجأ بعد حين بمثل هذا الكتاب وقد طُبع بثوب جديد، وقُسّم إلى فُصول وأبواب، وازدان بالعناوين الواضحة، والفقرات القصيرة، ولوّنت بعض العبارات الهامّة، ووضعت الفواصل والحدود بين الفصل والفصل، والباب والباب، والفقرة والفقرة، والجملة والجملة... نعم، فبإمكاننا الآن أن نركز على التفاصيل، وأن نُلمّ بكُلّ صغيرةٍ وكبيرة، فقد أصبح الوضوح نوعاً من الجمال الجذّاب، والمتعة الدافعة. فلا بُد من الفصل والتحديد، حتى يتسنّى للقارئ أن يركّز ويميّز. ألا ترى أنّ القرآن الكريم يتألّف من 114 سورة، وكل سورة هي عدد من الآيات؟! وكما أسلفنا لا يتجاوز عدد كلمات الآية الواحدة في المتوسط 12.4 كلمة. وهل من قبيل الصدفة أن تسمّى (السورة) سورة؛ فكلمة السورة تذكِّرُنا بالسُّور، الذي يفصل بين قطعة أرضٍ وأخرى، وبيتٍ وآخر. وهل من قبيل الصّدفة أن تسمّى (الآية) آية؛ فالكلمة تُذكرنا بالعلامة الواضحة، والتي يُشكّلُ وُضوحها دليلاً هو في النهاية حجّة وبرهان.
قلنا إنّ الكتّاب، في الغالب، يهدفون في كتاباتهم إلى تزويد الناس بمعلومات وخبرات جديدة، لذلك فهم يتسلسلون في الأفكار من البداية حتى النهاية، ومن ذلك تتسلسل الأبواب والفصول، ويكون ذلك واضحاً غاية الوضوح، وإلا عُدّ خللا وقصوراُ. وهذا أمر مفهوم في العمل الذي يُقصد به نقل المعلومة والخبرة. أمّا إذا أردنا الحث على التفكير والتدبّر، وخلق المنهجيّة السويّة في التفكير والبحث والاستنباط، فإن أسلوب العرض يجب عندها أن يختلف؛ فلا نعود بحاجة إلى التسلسل الواضح، بل نكون بحاجة إلى التسلسل الذي يجتهد القارئ في اكتشافه.
عند تدبر القرآن الكريم نقوم أولاً بتدبر الآية، فإذا فهمنا معانيها يصبح من السهل علينا بعد ذلك أن نربط بين آيةٍ و أخرى. وبعدها يفترض أن نلحظ أنّ آيات السورة جاءت في مجموعات، فإذا فُهمت معاني المجموعة الأولى، ثم فُهمت المجموعة الثانية، أمكن أن نربط بين معاني المجموعات. وبعد أن ننتهي من فهم سورة كآل عمران، مثلاً، نقوم بتدبر سورة النساء، فإذا فهمناها؛ كلمات وجُملاً، وآيات، ومجموعات، أصبح بإمكاننا أن نربطها جميعاً بسورة آل عمران التي تسبقها. ولا يسهل علينا أن نربطها بسورة المائدة، التي تليها، حتى نتدبر سورة المائدة أيضاً، وذلك في مستوى الكلمات، والجمل، والآيات والمجموعات؛ فكمال الفهم للسورة الأولى، و كمال الفهم للسورة الثانية، يؤدي إلى استكشاف الروابط والصلات بين السورتين، وهكذا... وتكون المفاجأة أن نكتشف أنّ القرآن يفسر القرآن، ويتجلّى لنا بناءاً متكاملاً متراصاً. وسيبقى الإنسان ينظر في تفاصيل هذا الكتاب العظيم في محاولتهِ لتصوّر البناء الكلي في صورة أفضل، كما يفعل وهو يحاول أن يفهم الكون.
المتدبر للقرآن الكريم يلحظ أنّ بعض القَصص القرآني قد تكرر في أكثر من سورة. والذين يظنون أنّ القرآن الكريم نزل فقط ليزوّد الناس بمعلومات ومعارف يرون في التكرار ظاهرة غير إيجابية، وهم بذلك يذهلون عن حقيقة أنّ القرآن الكريم يربّي الناس تربية شاملة، ومن ذلك تربيتهم على منهجيّة التفكير. والملحوظ أنّ القَصص القرآني يختلف جذرياً عن القصص البشري، السرديّ المفصّل، بل هو، إن صحّ التعبير، لقطاتٌ قد تطول قليلاً وقد تقصُر، ولكنها إن طالت تبقى في إطار القصة القصيرة، بل القصيرة جداً. أما التكرار فهو ظاهري يتوهمه من يتلو القرآن الكريم من غير تدبّر، أما أهل التدبّر فيعلمون أن لا تكرار إلا في الشكل، أما في الجوهر فلا تكرار. من هنا نجد من المناسب أن نلفت الانتباه إلى الآتي:
1. القول بتكرار القصة القرآنيّة لا يعني أنه يتم تكرارها تفصيلياً، بل قد تزيد أو تنقص في بعض التفاصيل والحيثيّات.
2. تختلف السياقات التي يتكرر فيها القَصص القرآني، مما يعني أنّ المعنى المستفاد يختلف باختلاف السياق.
3. تُستبدل بعض المفردات أو الجُمل بغيرها، ويكون تقديم وتأخير في الألفاظ والجمل، ويختلف الجَرْس، وتختلف الموسيقى، وتختلف فواصل الآيات.
4. واضح أنّ أهداف القصة القرآنية يغلب أن تختلف عن أهداف القصة في كتابات البشر، من هنا تتعدد المقاصد عند تكرار القصة.
5. إن مثل هذا الأسلوب في التكرار يطوّر في منهجيّة التفكير لدى المتدبّر، لأنه يلاحظ الأنماط المحتملة، والصيغ التي يمكن أن تتعدد، ثم يلاحظ التغييرات المطلوبة لتحقيق الانسجام مع السياق؛ من حيث المعنى والجوهر، ومن حيث الشكل البلاغي، أي الثوب الذي لا بد أن تتجلى فيه المعاني. ثم هو يلاحظ البدائل الممكنة من أجل خطاب مؤثر ومنتج...وحتى تتضح الفكرة نضرب مثالاً من الطبيعة :
تتألف المادة من إلكترونات وبروتونات ونيوترونات. ومجموع هذا يسمّى ذرّةً، ومجموع الذّرات يسمّى جُزيئاً، ومجموع الجزيئات يسمّى مُركّباً. ومن هذه الذرات، والجزيئات، والمركبات، تكون التنوعات التي تبدو لا متناهية. ولو أخذنا عنصر البوتاسيوم، كمثال، فسوف نجد أنّ اختلاف نسبة هذا البوتاسيوم في النباتات المختلفة يؤدي إلى اختلاف الأطعام. ولا يقال إنّ طعم الموز، مثلاً، هو نفسه طعم التفاح على اعتبار أنّ مردّه إلى البوتاسيوم؛ فقد أدى اختلاف النسبة في البوتاسيوم إلى اختلاف كبير في المذاق. وإذا تعمّقنا أكثر نجد أنّ مكونات التفاحة هي في الحقيقة إلكترونات وبروتونات ونيوترونات. وهذه هي نفسها مكونات الحديد، والنحاس،...
فالتكرار في عالم المادة هو الأساس الذي يقوم عليه كل التنّوّع والثراء الذي يتصف به الوجود، وإذا كان تكرار الكلمة لا بد منه، وتكرار الجملة لا بأس به، فإن لتكرار القصة فوائد كثيرة، حيث يؤدّي ذلك إلى ظهور أبنية جديدة، ويعطي صوراً متنوعة، ويلهم آفاقاً رحبة، ويكشف عن دروس غنيّة، ويخلق منهجيه في التفكير والاستنباط. وعليه فإنّ المطلوب هنا أن نركّز الاهتمام من أجل محاولة استكشاف الأنماط التي تؤسس لمنهجيّة سويّة.

الطبعة الأولى
1423 هـ - 2003م
المقدّمة
يغفل الكثير من النّاس عن الذّكر، على الرُّغم من أنّه الأعظم أجراً، والأبلغ أثراً، والأوسع وقتاً، والأيسر أداءً، وقد يرجع ذلك إلى كون الذّكر في الغالب مطلوباً على وجه السّعة. وقد يكون من أسباب ذلك أيضاً جهل الكثيرين لفضل الذّكر وأهميته، أوعدم معرفتهم بفقهه.
من هنا جاءت هذه الصفحات التي تعرّف القارئ بالذّكر، وفضله، وفقهه، مقتبسة من كتاب الأذكار للنووي، والموسوعة الفقهيّة الصادرة عن وزارة الأوقاف الكويتية.
"رب اغفر لي ولوالدي، رب ارحمهما كما ربياني صغيرا"
الذّكر
الذّكر: الإخبار عن ذات الله تعالى، أو صفاته، أو أحكامه. ويكون بتلاوة كتابه سبحانه وتعالى، أو بمسألته ودعائه، أو بإنشاء الثناء عليه بتقديسه، وتمجيده، وتوحيده، وشكره، وتعظيمه.
ويستعمل الذّكر بمعنى أخص من ذلك، فيكون بمعنى إنشاء الثناء على الله تعالى؛ بتقديسه وتمجيده، وتوحيده، وحمده، وشكره، وتعظيمه.
حكم ذكر الله تعالى:
1. مستحب: في جميع الأحوال إلا ما تمّ استثناؤه شرعاً.
2. واجب: مثل بعض أذكار الصلاة، الأذان، التسمية على الذبيحة ...الخ.
3. حرام: كأن يتضمن شركاً.
4. مكروه: كالذّكر في حالة قضاء الحاجة، أو الجماع.
فضل الذّكر
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سبق المُفرِّدون، قالوا: ومن المُفرِّدون يا رسول الله؟ قال: الذّاكرون الله كثيراً والذّاكرات" أخرجه مسلم.
وأفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه ذكراً لله تعالى؛ فأفضل المصلّين أكثرهم ذكراً لله، وأفضل الصائمين أكثرهم في صومهم ذكراً لله ... بل إنّ جميع الشعائر التعبّديّة شرعت لإقامة ذكر الله تعالى:"وأقم الصلاة لذكري" طه:14. وقد جاء في القرآن الكريم، وفي الأحاديث الصحيحة، أن الله تعالى مع الذاكرين، وأنّ الذّكر يحصّن الذاكر من وسوسة الشيطان ومن أذاه.
جاء في الحديث:"ألا أحدثكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: تسبّحون وتحمدّون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثاً وثلاثين" أخرجه البخاري.
فذكرُ الله تعالى يورث محبته، ويحيي القلب، ويملؤه بالسكينة، وفيه شفاء القلوب من أمراضها، وهو يعين على الطاعات وييسِّرها. ومع كون الذّكر أيسر العبادات، إلا أنّه أجلّها وأفضلها وأكرمها على الله تعالى.
ما يكون به الذّكر:
1. باللسان: بتحريك اللسان، وعند البعض أن يُسمع الذاكر نفسه على الأقل. وعلى هذا الوجه يتأدّى الذّكر الواجب في الصلاة ونحوها.
2. بالقلب: مجرد إمرار الذّكر المطلوب على القلب. وقد اتفق العلماء على أنّ الذّكر باللسان والقلب جميعاً أفضل من الذّكر باللسان وحده.
3. الذّكر القلبي الذي فيه تذكّر لعظمة الله عند أوامره ونواهيه، والتفكّر في عظمة الله تعالى، وآياته في خلقه. وهذا الذّكر يَفضُل ذكر اللسان.
الذّكر الكامل الجامع بين ذكر اللسان
وذكر القلب بالتفكّر والاستحضار
صيغ الذّكر:
1. التهليل: أي قول: "لا إله إلا الله". وكلمة التوحيد والإخلاص هذه هي خلاصة دعوة الرسل عليهم السّلام. وجاء في الحديث الصحيح:" إنّ الله قد حرّم النّار على من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" أخرجه البخاري. والتهليل مستحب في كل وقت، وورد في السنّة الأمر به في مواضع منها: دخول السوق، وإذا أصبح الإنسان وإذا أمسى، وبعد صلاة الصبح وصلاة المغرب، وإذا أخطأ الإنسان وحلف بغير الله فليقل: لا إله إلا الله.
2. التسبيح: أي قول:"سبحان الله".
جاء في الحديث الصحيح:"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" أخرجه البخاري.
ورد التسبيح في القرآن الكريم في عدّة آيات منها:" فسبحان الله حين تُمسون، وحين تُصبحون"، "وسبح بحمد ربك حين تقوم، ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم".
وجاء التسبيح في السنّة: في دعاء الاستفتاح، وفي الركوع والسجود، وبعد الصلوات، وعند سماع الرعد، وعند سماع ما يُتعجب منه ...
3. التحميد: أي قول:"الحمد لله". ويُسنَُ في ابتداء كل عمل ذي بال، وفي خطبة الجمعة، وفي التدريس، وغير ذلك. ويُسنُّ بعد الأكل والشرب، وعند العطش، وعند الخروج من الخلاء، وعند حصول النّعم أو اندفاع المكروه ...
4. التكبير: أي قول:" الله أكبر". جاء في الحديث الصحيح:"كلُّ تكبيرة صدقة" أخرجه مسلم.
وورد في الحديث الصّحيح أنّ التّهليل، والتّسبيح، والتّحميد، والتّكبير "أحب الكلام إلى الله" أخرجه مسلم.وورد أيضاً أنّهنّ "أفضل الكلام بعد القرآن، وهنّ من القرآن، لا يضرك بأيّهنّ بدأت" أخرجهأحمد بإسناد صحيح.
5. الحوقلة: أي قول:"لا حول ولا قوة إلا بالله".
جاء في الحديث الصحيح:"... ألا أُعلّمكَ كلمة هي من كنوز الجنّة: لا حول ولا قوة إلا بالله" أخرجه البخاري ومسلم. والحديث يدل على قولها مطلقاً. وورد أيضاً أنها تقال في إجابة المؤذِّن عند قوله: حيّ على الصلاة، وحيّ على الفلاح. وورد في القرآن الكريم الأمر بها في قوله تعالى:" ولولا إذ دخلتَ جنَّتكَ قلت ما شاء الله، لا قوة إلا بالله" الكهف:39
وورد في الحديث الصّحيح أنّ التّهليل، والتّسبيح، والتّحميد، والتّكبير "أحب الكلام إلى الله" أخرجه مسلم. وورد أيضاً أنّهنّ "أفضل الكلام بعد القرآن، وهنّ من القرآن، لا يضرك بأيّهنّ بدأت" أخرجه أحمد بإسناد صحيح.
6. الاسترجاع: أي قول:"إنّا لله وإنّا إليه راجعون" وورد الأمر بقولها عند المصيبة مطلقاً، قال تعالى:"وبشّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون" البقرة:156،155 .
7. التّسمية: أي قول:" بسم الله الرحمن الرحيم".
ورد الأمر بقولها في ابتداء قراءة القرآن، والوضوء، والغُسل، ودخول المسجد أو الخروج منه، وعلى الذّبح، والصّيد، وعلى الأكل والشرب،والجماع ... وكل أمر له أهميّة.
8. قول"ما شاء الله" و "حسبي الله" والصلاة على الرسول عليه السلام بصيغ مختلفة، و "لبَّيكَ اللهمَّ لبَّيك" في الحج والعمرة.
أفضل الأذكار
1. القرآن الكريم.
2. "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" هي أفضل الأذكار بعد القرآن الكريم. والذّكر بهنَّ أفضل منه بغيرهنَّ، وهنّ كذلك أفضل من سائر الأذكار المأثورة، وأفضلهنّ:" لا إله إلا الله".
3. الاشتغال بالذّكر في وقته، أو عند حصول سببه، أفضل من الاشتغال بسائر الأذكار المأثورة. لذا صرّح بعض العلماء بأنّ الاشتغال بالمأثور من الذّكر في محلّه أفضل من تلاوة القرآن في ذلك المحل. والأفضل عند الأذان مثلاً الاشتغال بإجابة المؤذّن، وبعد الصلاة بالأذكار الواردة، وعند الإفطار في رمضان بما ورد من الذّكر المأثور.
الاشتغال بما ورد في القرآن والسنّة من الأذكار
أفضل من الاشتغال بذكر يخترعه الإنسان من عند نفسه. والخير في اتباع المأثور في الكتاب والسنّة، وإن كان يجوز شرعاً الذّكر بما يحضر الإنسان من أذكار فيها ثناء على الله تعالى، أو استغفار، أو غيره مما هو غير مأثور؛ كالأذكار التي صاغها الصحابة رضوان الله عليهم، أو العلماء العارفون، أو الذاكر نفسه. ويصح ما قلناه في الذّكر المطلق.
أمّا الأذكار التي وردت في القرآن أو السنّة لمناسبات معينة، وأوضاع محددة، فلا بد من التزامها، وعلى وجه الخصوص ما كان ركناً من أركان العبادة، أو واجباً من واجباتها. وإذا لم يكن في المناسبة المعينة ذكر وارد فالأصح أنّه لا بأس باستعمال ما يحب الإنسان من الأذكار التي تناسب المقام. لذلك لم يُنكر العلماء التهنئة بالعيد بقولك:"تقبّل الله منا ومنكم"، أو قولك:"عيد مبارك"، أو قولك:"كل عام وأنتم بخير".
التبديل في ألفاظ الأذكار الواردة
في الأذكار المقيّدة التي رتب الشارع عليها فضلاً خاصاً فالأولى الالتزام بما ورد بحروفه، ثم ليختر بعد ذلك ما شاء، إلا إذا علمنا أنّ الشارع أراد المحافظة فيه على اللفظ الوارد. فلا يزاد مثلاً على ألفاظ الأذان، وألفاظ التشهد، ونحوهما. ويكون الجواز بشرط أن يكون بمعنى ما ورد، وأن يكون مما يليق . أمّا في الذّكر المطلق غير المقيّد فيجوز الزيادة والتبديل في الألفاظ بما يليق ويصح شرعاً.
من آداب الذاكرين
1. طلب العون من الله تعالى على الذّكر.
"اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك"
2. أن يكون الذاكر متطهراً من الحدث: يجوز الذّكر بالقلب واللسان للمحدث والجنب والحائض والنفساء، ويكره ذكر الله حال قضاء الحاجة، وعند البعض يحرم، ويكره أيضاً حال الجماع، علماً بأنّ هناك أذكاراً مأثورة تقال عند قضاء الحاجة، أو عند إرادة الجماع.
3. تحرّي الأزمنة الفاضلة والذّكر فيها:
كالصباح، والمساء، وأطراف الليل والنهار. وأشرف أوقات النهار بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس. ومن أفضل مواسم الذّكر العشر من ذي الحجة، وعلى وجه الخصوص يوم عرفة، أي التاسع من ذي الحجة. "ويذكروا اسم الله في أيام معلومات" الحج: 28 ويجدر التنبيه هنا إلى أنّ الأوقات التي يكره فيها الصلاة لا يكره فيها الذّكر، بل يستحب؛ كالذّكر عند طلوع الشمس، وعند الغروب.
4. تحرّي الأماكن الفاضلة، والذّكر عندها: كالمساجد، والمشاعر المعظّمة.
5. الدعاء بعد الأعمال الصالحة. أجمع العلماء على استحباب الذّكر بعد الصلاة. وجاء في البخاري عن ابن عباس: "أنّ رفع الصوت بالذّكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم".
6. استقبال القبلة في مجلس الذّكر.
من ذلك ما أخرجه البخاري:"أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لمّا أراد أن يدعو في الاستسقاء استقبل القبلة".
7. الرغبة، والخشوع، والتدبّر.
"واذكر ربك في نفسك تضرُّعاً وخيفة" الأعراف:205.
وينبغي أن يكون الذاكر متدبراً متعقلاً لما يذكر به، وقليل الذّكر مع حضور القلب خير من الكثير منه مع الجهل والفتور.
8. الذّكر في العزلة والانفراد عن الناس.
الذّكر حال العزلة عن الناس والانفراد عنهم، وحيث لا يعلم به إلا الله تعالى، أفضل من الذّكر في الملأ، ولكلٍّ من الحالين فضله؛ فقد يكون الذّكر في الملأ، في بعض الحالات أفضل؛ كما في الدعوة إلى الله، وقول كلمة الحق تذكيراً وموعظة.
الاجتماع للذّكر
يستحب الاجتماع للذكر:
أخرج مسلم عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، قال:"لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفَّتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده".
وأخرج البخاري ومسلم عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، قال:" إنّ لله تعالى ملائكة يطوفون في الطريق يلتمسون أهل الذّكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا: هلمُّوا إلى حاجتكم، فيحفّونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا..." وفي آخر الحديث:"هم الجلساء لا يشقى جليسهم".
وفي صحيح مسلم أنّ النبي، صلى الله عليه وسلم، خرج على حلقة من أصحابه، فقال:"ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنّ به علينا ... إلى أن قال: أتاني جبريل فأخبرني أنّ الله يُباهي بكم الملائكة".
قال ابن تيمية في الفتاوى: "الاجتماع على القراءة، والذّكر، والدعاء، حسن إذا لم يُتّخذ سنة راتبة، ولا اقترن به منكر من بدعة".
الذّكر الجماعي
اشتراك مجموعة من الأشخاص في الأذكار المأثورة، أو الأدعية الواردة، أو قراءة القرآن بصوت واحد، جائز بشرط عدم التشويش على المصلين، أو غيرهم، وبشرط ألا تعتقد هذه الكيفيّة أنها واجبة أو مسنونة بصورتها، وإنما هي وسيلة لتعليم غير المتعلم، وللتعاون على البر والتقوى. واستند الإمام النووي في جواز رفع الصوت بالذّكر إلى ما في الصحيحين عن ابن عباس:"أنّ رفع الصوت بالذّكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم". وقال ابن عباس:" كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته".
الإكثار من الذّكر
الإكثار من الذّكر مندوب إليه لقول الله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيرا. وسبحوه بكرة وأصيلا" وقوله تعالى:"والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعدّ الله لهم مغفرة وأجراً عظيما" ونُذكّر هنا بالحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم:"أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل" ومن هنا قال الشوكاني:" صِدقُ كثرة الذّكر على من واظب على ذكر الله ولو قليلاً أكمل من صِدقه على من ذكر الله كثيراً من غير مواظبة".
تكرار الذّكر مشروع ومستحب. جاء في الحديث:"من قال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. في يوم مائة مرّة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة ...".أخرجه البخاري ومسلم.
استخدام السبحة في عدد الأذكار
لم يصب من قال إنّ استخدام السبحة بدعة، بل هي عند بعض العلماء مستحبة، وفاضلوا بينها وبين عقد الأصابع، واعتبروا أنّ العقد بالأصابع أفضل، لا سيما مع الأذكار بعد الصلاة. أمّا في الأعداد الكثيرة التي يُلهي الاشتغال بعدّها عن التوجه للذكر فالأفضل عندهم استخدام السبحة. ومن أراد أن يحتاط لعبادته فليخرج من خلاف العلماء، حتى لا يجد في نفسه شيئاً وهو يتقرب إلى الله تعالى.
الخاتمة
وبعد؛
فهذه عُجالة فيها بعض الشّمول، ومن أراد أن يستزيد فننصحه أن يرجع بعد القرآن الكريم إلى ما ورد من أذكار في كتب السُنن، وعلى وجه الخصوص البخاري ومسلم. وننصح أيضاً بكتاب الأذكار للإمام النووي، وكتاب الوابل الصيّب من الكلم الطيّب، للإمام ابن قيم الجوزية، رحمهم الله جميعاً.

عُرّف الإعجاز بأنّه:" كل أمر خارق للعادة، يظهره الله على يد النبي تصديقاً له ...". ولا يجد العقل بديلاً عن المعجزة لإثبات النبوة أو الرسالة. وحتى في المعجزات الحسيّة نجد أنّ العقل هو الذي يحكم في مدى صِدقيًّة ما يُقدّم من دليل، مع تسليمنا بأنّ العقل كثيراً ما يُرتهن لصالح القلب، فتأتي عندها أحكامه بعيدة عن الصدق والموضوعيَّة. وإذا كانت الغاية من إجراء المعجزة هي إقامة الحجة على صدق ادّعاء النبوة، فإنّ الذي يعنينا هنا هو ما يقدِّمه العدد القرآني من دليل وحجة على صدق رسالة الرسول ، صلى الله عليه وسلم. لذا لن نخوض في هذا المقام في مناقشة معنى المعجزة، ولا في مناقشة الرأي الذي يقصر الإعجاز القرآني على بيانه، لأنه الرأي المرجوح عند العلماء، ولأنّ وجوه الإعجاز القرآني المختلفة متجلّة لكل ناظر ولا تحتاج إلى دليل.
اهتم المسلمون، ومنذ القرون الأولى، بمسألة العدد القرآني. وقد ذكر الدكتور غانم الحمد، محقق كتاب " البيان في عد آي القرآن"، لأبي عمرو الدّاني، ذكر (36) كتاباً في علم العدد القرآني، ابتداء من (كتاب العدد) لعطاء بن يسار، المتوفى 103 هـ، وانتهاء بكتاب (زهر الغرر في عدد آيات السّور) لأحمد السلمي الأندلسي، المتوفى عام 747 هـ. ويجد الباحث أنّ هذا الاهتمام استمر على مدى القرون؛ فهذا مجد الدين الفيروز آبادي، المتوفى سنة 817 هـ، يحرص في كتابه (بصائر ذوي التمييز) على ذكر عدد آيات كل سورة، وعدد كلماتها، وعدد حروفها. وكذلك نجد من الكتّاب المعاصرين من تابع الأقدمين، من أمثال الأستاذ عبد الكريم الخطيب، في تفسيره: (التفسير القرآني للقرآن). ونحن لا نستطيع أن نركن إلى مثل هذه الإحصاءات لأنّها لا تتسم بالدقّة، ثم إنّ الاختلاف كبير وبيّن، ويرجع هذا الاختلاف إلى أسباب؛ منها الاختلاف في رسم المصاحف العثمانيّة، والاختلاف فيما يعتبر كلمة أو أكثر، ومردُّ ذلك إلى الاحتمالات التي تحملها اللفظة العربيّة. وقد سبق لنا أن اطلعنا على (11) إحصاء للحروف والكلمات القرآنية، منها ما هو قديم، ومنها ما هو حديث، فلفت انتباهنا الاختلاف الكبير في العدد، إلى درجة أنك تجد أنّ الاختلاف في عدد كلمات سورة البقرة يزيد عن ألفِ كلمة، مما يعني أنّ العدّ قائم على أساس من اللفظ، وليس على أساس الرسم القرآني المسمّى (بالرسم العثماني)، والذي هو توقيفي عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، وهذا هو مذهب الجمهور. لذا فقد رأينا في (مركز نون للدراسات القرآنية) أن نتعامل مع الرسم القرآني عند إحصاء عدد الحروف والكلمات، وهذا يجعل الاختلاف بين العادّين يسيراً، بل نادراً. ففي الوقت الذي يرى فيه البعض أنّ (مالم)، مثلاً، هي كلمة واحدة، نجد أن اثبات ذلك غير متيسّر، لأنّه لا يوجد مسوِّغ لذلك. في حين أنّ الاختلاف في مثل عبارة (لا جرم) هو مقبول من الناحية اللغويّةً أن نحصيها كلمة أو كلمتان. وإن كنّا في مركز نون نحصيها كلمتين.
يبدو أنّ كل ما وصل إلينا من إحصاءات للعدد القرآني قصد منها التعريف بالقرآن الكريم، وإشباع نهم الإنسان للمعرفة، وتحقيق رغبته في الاطلاع على دقائق الأمور، وإن لم ينبن على ذلك فوائد عملية. ولكن عندما يتعلق الأمر بكتاب مقدس، كالقرآن الكريم، والذي هو كلام الله تعالى، فلا بدّ أن نتوقّع ما هو أجلّ وأعظم.
وعلى الرغم مما قلناه، فإنّنا نجد في كتابات الأقدمين توظيفاً للعدد القرآني؛ فقد نُقل عن أبي بكر الورّاق قوله:" إنّ الله – تعالى- قسّم ليالي هذا الشهر –شهر رمضان- على كلمات هذه السورة –سورة القدر-، فلمّا بلغ السابعة والعشرين أشار إليها فقال:هي"[1]. ويقول: " كرّر ذكرها – ليلة القدر- ثلاث مرات، وهي تسعة أحرف، فيكون سبعة وعشرين"[2] ونقل أيضاً عن ابن عبّاس، رضي الله عنه، أنه قال:" ليلة القدر تسعة أحرف، وهو مذكور ثلاث مرّات فتكون السابعة والعشرين"[3] ونقرأ للقاضي مجير الدين الحنبلي في كتابه الأنس الجليل:" وقد تقدّم أنّ من الاتفاقات العجيبة أنّ محيي الدين زكي، قاضي دمشق، لمّا فتح السلطان صلاح الدين حلب في صفر سنة تسع وسبعين وخمسمائة مدحه بقصيدة منها :
وفتحكم حلباً بالسيف في صفرٍ مبشرٌ بفتوحِ القدسِ في رجَبِ
فكان كما قال، وفُتحت القدس في رجب – كما تقدم- فقيل لمحيي الدين: من أين لك هذا؟ فقال: أخذته من تفسير ابن برّجان في قوله تعالى:"غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين"، وكان الإمام أبو الحكم ابن برّجان الأندلسي قد صنف تفسيره في سنة عشرين وخمسمائة وبيت المقدس إذ ذاك في يد الإفرنج ... قال ابن خلكان في تاريخه – في ترجمة ابن الزكي – ولما وقفت أنا على هذا البيت وهذه الحكاية لم أزل أطلب تفسير ابن برّجان حتى وجدته على هذه الصورة، قال: ولكن رأيت هذا الفصل مكتوباً على الحاشية بخط غير الأصل، ولا أدري هل كان من أصل الكتاب أم هو ملحق. وذكر له حساباً طويلاً وطريقاً في استخراج ذلك، حتى حرره من قوله تعالى: في بضع سنين"[4]، وابن برّجان هذا من أهل المعرفة بالقراءات والحديث، والتحقق بعلم الكلام والتصوف، مع الزهد والعبادة. مات سنة ست وثلاثين وخمسمائة[5]. يتضح مما سلف أنّ ابن برّجان كان يستخدم الحساب في تفسير القرآن الكريم، وهذا الأثر يدل على أنّ علماء السلف كانت لديهم استخدامات للعدد القرآنيّ لم تتطور لتوظف في مسألة الإعجاز ودلائل النبوة.
يقف البعض من علماء هذا العصر موقف المتردد من قضية الإعجاز العددي، بل إنّ بعضهم يستنكر هذا المسلك. وقد يرجع هذا الموقف إلى عوامل أربعة:
‌أ- كون هذا المسلك من المسائل المستحدثة في المجمل، وقد اعتدنا أن نجد الرفض أو التردد تجاه كل جديد يتعلق بالقرآن الكريم؛ فهذا الخليفة الأول، رضي الله عنه، يتردد في جمع القرآن الكريم، ثمّ يطمئن إلى ذلك بعد أن ناقشه عمر ابن الخطّاب، رضي الله عنه. والدارس لتاريخ القرآن الكريم يجد أنّ العلماء قد رفضوا في االبداية إدخال النقط، والفتحة، والضمة، والكسرة، على النص القرآنيّ المكتوب، ثمّ وجدنا بعضهم يثورعند إدخال ترقيم الآيات ... ثم ما لبثوا جميعاً أن اطمأنوا، وعلموا أنّ في الأمر الخير الكثير. ومثل هذا الموقف محمود، حتى لا تذهب الأهواء بنا كلَّ مذهب.
‌ب- كون الكثير من المحاولات العدديّة المعاصرة هي ملاحظات يشوبها التكلف، والتّمحُّل، وفيها تحميل للأمور فوق ما تحتمل، مما يعطي صورة سلبية عن هذا الوجه من وجوه الإعجاز القرآني.
‌ج- استغلال بعض المنحرفين من أمثال رشاد خليفة والبهائيين لقضية العدد، مما أدّى إلى ردود فعل سلبية على مسألة العدد في القرآن الكريم.
‌د- لا شك أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وقد وجدنا أنّ أغلب المترددين أو الرافضين لا يعرفون حقيقة ما نتكلم فيه من العدد القرآني، بل هم يظنون أن الأمر لا يخرج عن كونه ترديداً لما قيل سابقاً في هذه المسألة. وقد لمسنا تغيّراً في موقف الذين أحيطوا علما بحقيقة المسألة، واستشعروا جلالة هذا الوجه وانعكاساته الايجابية على الدراسات القرآنية.
يكتسب موقف الرافضين المترددين أهمية عندما نعلم أنّة يشكّل ضمانة مناسبة للتحقق من ِصدقيّة هذا المسلك، ومن قدرته على الإقناع وإقامة الحجة، كما ويساعد مثل هذا الموقف على لجم الاندفاع غير المتزن، نظراً لجاذبية كل ما هو جديد. ولكن هذا الكلام يصدق عندما تكون المعارضة جادّة وموضوعية، وتقوم على أساس من التصور الصحيح، والرغبة في الوصول إلى الحقيقة، بعيداً عن المكابرة. وسنضرب هنا مثالاً للتعريف بموقف بعض العلماء الأجلاء أدهشنا، لأنّه لا يستند إلى أساس، والغريب أنّ هذا الموقف قد تكرر في كتابات آخرين، منهم أربعة من العلماء الذين لهم باع طويل في الكتابة والبحث، ومنهجية التفكير؛ فقد قالوا، وهم يردّون ويفندون بدعة رشاد خليفة،: إنّ "بسم الله الرحمن الرحيم" ليست تسعة عشر حرفاً، لأنّ هناك ألفاً صغيرة تكتب فوق الميم في كلمة (رحمن). ولم يقولوا لنا لماذا هي صغيرة؟ والذي نعرفه في هذه المسالة أنّ هذه الألف هي من الاضافات التي أضيفت إلى النص القرآني المسمّى بالعثماني، للتوضيح وللتسهيل على القارئ، كغيرها من الإضافات؛ كالفتحة، والضمّة، والكسرة... وقد كان بالإمكان تفنيد بحث رشاد خليفة بسهولة؛ فبدل أن نتنكّر للمسلمات، وبدل أن نقدّم للناس تفنيداً متهافتاً، فإنّ بإمكاننا أن نبرز تلفيقات الرجل، وهي كثيرة، بل تشكّل معظم بحثه. وهذا ما فعلناه في كتابنا (إعجاز الرقم 19 في القرآن الكريم مقدمات تنتظر النتائج).
يتّضح من كتابات بعض المعارضين للإعجاز العددي أنّ لديهم تصوّر بأنّ المسألة نوع من العبثيّة التي لا يترتب عليها فائدة، ومن أمثلة ذلك قول بعضهم:"ترى أيّهما أهم وأولى للترغيب بهذا الدين، أن نعرض سمو معانيه وعظمة تشريعاته وصحة مقولاته العلمية التي توافق العلم الحديث أم هذا العدد الحرفي الجاف"[6].
نقول في الإجابة عن سؤال الأستاذ الكريم: الأهم والأولى المعاني والتشريعات، ولكننا لسنا في مقام الموازنة، وإنما هو وجه جديد وجليل له فوائد عظيمة. ولا نحتاج هنا إلى الرّد أكثر على اعتراض الأستاذ الكريم، لأننا وجدناه يتراجع عن قوله بأنّ الرسم العثماني هو اصطلاحيّ، وذلك بعد أن لمس أهمّية العدد القرآني في إثبات أنّ الرسم العثماني هو توقيفي؛ أي بإشراف الرسول، صلى الله عليه وسلّم، وحياً. وهذا الأستاذ القرضاوي حفظه الله يجيد في الرّد على رشاد خليفة، ولكنّه عندما يتعرّض لحساب الجمّل نراه يذهب بعيداً حيث يقول:" ثم إنّ حساب الجُمّل مجرد اصطلاح من جماعة من النّاس، ولكنه اصطلاح تحكّمي محض، لا يقوم على منطق من عقل أو علم، فمن الذي رتب الحروف على هذا النحو: أ ب ج د هـ و ز ... ومن الذي جعل االألف رقم (1) والباء رقم (2) وهكذا ... كل هذا تحكم من واضعيه .... لا يُلزم أحداً"[7].
نقول: لا يعرف أحد من الباحثين أصلاً لحساب الجُمّل، وواضح أنه مغرق في القدم، واستخدم هذا الحساب في اللغات الساميّة، ومنها اللغة العربية. وقد استخدمه المسلمون أيضاً، وعلى وجه الخصوص في التأريخ. وهذا يعني أنه جزء لا يتجزأ من لغة العرب. ويمكننا أن نسال نحن أيضاً: من الذي أطلق على الجبل اسم جبل، ومن الذي جعل الفعل مرفوعاً، أو منصوباً، أو مجزوماً ...؟! نعم قد ندخل هنا في خلاف العلماء؛ هل اللغة العربية توقيفيّة، أم اصطلاحية؟ وعلى أية حال: إن كانت اللغة العربيّة توقيفيّة، فهذا يرجّح أنّ الجمّل توقيفي أيضاًّ، لأنه من لغة العرب. وإن كانت اللغة اصطلاحيّة، فإنّ الجُمّل أيضاً اصطلاحيّ. ويمكننا اليوم أن نحسم هذه المسألة بسهولة، عن طريق استقراء الألفاظ القرآنيّة، وتقديم الدليل القاطع على استخدام القرآن الكريم لحساب الجمّل.
يبدو أنّ الموقف من قضية الإعجاز العدديّ يتعلق بمنهجية التفكير بالدرجة الأولى، ومن هنا نجد أنّ مواقف العلماء تختلف باختلاف منهجيتهم، إلى درجة أنّ بإمكانك أن تتوقع ما سيكون عليه موقف العالم الفلاني على ضوء منهجيته في التفكير. وتتميّز مسألة الإعجاز العددي بأنها قضية استقرائية بالدرجة الأولى، ومن هنا فهي لا تحتاج إلى دليل نصّيّ من القرآن أو السنّة، لأننا نتحدث عن بُنية القرآن الكريم حرفاً، وكلمة، وآية، وسورة. أمّا القول بأنّ ما اجتمع لدينا من ملاحظات استقرائيّة يشكّل إعجازاً عدديّاً فمتروك لحكم للعقل السليم.

نظراً لحاجة الكثيرين من المهتمين لمعرفة قواعد العدّ والإحصاء المعتمدة في دراسات مركز نون، فقد رأينا أن نُسهّل الأمر على الأخوة الباحثين والمهتمين بتلخيص بعض هذه القواعد، مع لفت الانتباه إلى إمكانية إضافة إيضاحات أخرى، وذلك على ضوء استفسار الأخوة المتابعين لأبحاث مركز نون:
1. نستند في عدّ الآيات على ما جاء في المصحف المذكور، والذي يعتمد العدد الكوفي. أمّا باقي الأقوال في عدّ الآيات فلم نتفرّغ بعد لدراستها. أمّا الأقوال التي وردت في عدّ آيات السور القرآنيّة، فمردّها إلى تعليم الرسول، صلى الله عليه وسلّم، فهي في رأينا توقيفيّة، كما هي القراءات. وهذا رأي توصلنا إليه بعد دراسة وتمحيص. وعدد آيات القرآن الكريم وفق العدّ الكوفي هو: (6236) آية.
2. نستند في إحصائنا للكلمات والحروف إلى رسم المصحف، المسمّى بالرسم العثماني، وعلى وجه الخصوص المصحف المنتشر في العالم الإسلامي، على قراءة حفص. ولم نتفرّغ بعد لاستكشاف أوجه الإعجاز في القراءات الأخرى، والتي هي متواترة أيضاً.
3. عند إحصائنا للحروف في المصحف نهمل الإضافات التي أضيفت على الرسم العثماني بقصد التوضيح؛ فالألف الصغيرة التي تُرسم فوق بعض الحروف لا تُحصى، لأنها دخيلة على الرسم؛ فكلمة إسماعيل، مثلاً، تكتب في المصحف هكذا: (إسمعيل)، وعليه تتألف الكلمة من ستة حروف، وليس من سبعة.
4. قلنا إنّه عند إحصاء الكلمات نراعي الرسم، وعليه نقوم بالعدّ وفق ما تتم به عملية طباعة المصاحف اليوم، لأنّها توافق الرسم. فحرف الجرّ (في)، مثلاً، يُحصى كلمة، لأنّه يُرسم منفرداً غير متصل بغيره من الكلمات. أمّا حرف (الباء)، مثلاً، فهو يَلحَقُ في الرسم الكلمة التي تليه، مثل: (بالله)، فهي في الرسم كلمة واحدة.
5. قلنا إنّه عند إحصائنا للكلمات القرآنيّة نتقيّد بالرسم العثماني للكلمة، وعليه فعبارة مثل: (يا أيها)، تعتبر كلمة واحدة، لأنّ المصحف يرسمها وحدة واحدة، هكذا: (يأيها). وكذلك عبارة مثل (يا رب)، يرسمها المصحف (يرب). ...الخ.
6. بما أنّ الدراسات العدديّة تتعلق برسم المصحف، فإننا نحصي الحرف المشدد حرفاً واحداً؛ فكلمة مثل: (مَدَّ) تتألف من حرفين رسماً، أمّا لفظاً فهي ثلاثة حروف.
7. كلمات مثل: (أوَلَم، أوَكُلّما، أوَليس...) هي كلمة واحدة فقط. وقد يَحسن أن نلفت الانتباه إلى أنّ (أوْ) تختلف عن (أوَ) في المعنى، وفي الرسم. فـ (أوْ) ترسم كلمة منفصلة، وفيها معنى التخيير. أمّا (أوَ) فهي ترسم ملحقة بما بعدها، وهي همزة استفهام مع واو العطف.
8. جملة: (من بَعْدِ ما) هي ثلاث كلمات. وحصل لدينا تردد في كلمة (بَعْدَما)، ثم رأينا أن تُحصى كلمتين.
1. عند إحصائنا لكلمات القرآن الكريم لم نصادف إشكالاً إلا في ألفاظ مثل: " مالك، مالكم ... " فإذا كانت (ما) نافية فلا إشكال، حيث تُحصى (ما) كلمة، و(لكم) كلمة أخرى، وذلك في مثل قوله تعالى:" ما لكم من دون الله من وليّ". أمّا إذا كانت (ما) استفهاميّة، فهنا قد يكون الإشكال، الذي يمكن حلّه بالرجوع إلى رسم المصحف؛ فقد وجدنا أنّ جملة مثل قوله تعالى: "ما لهذا الرسول؟" تُكتب، في المصحف، هكذا: "مالِ هذا الرسول؟"، وقد تكرر هذا في أكثر من موضع. وإلحاق اللام بما الاستفهاميّة يدل قرآنيّاً على أنّ جملة مثل : "مالك؟" هي في الرسم كلمة واحدة. وقد لفتنا الانتباه إلى هذا من أجل مراعاة ذلك، لمن أراد أن يتحقّق من عدد الكلمات في سور القرآن الكريم.
2. تتألف كلمة مثل: (أمن) من ثلاثة أحرف. وتتألف كلمة مثل: (مؤمن) من أربعة أحرف. وتتألف كلمة مثل: (يئس) من ثلاثة أحرف. أما كلمة (ءامن) فهي أربعة أحرف. وهذا يعني أنّ حرف الهمزة إذا رسم على ألف، أو واو، أو ياء، فإننا نحصيه حرفاً واحداً. وإذا رسمت الهمزة منفردة فتحصى أيضاً حرفاً؛ فكلمة (شيء) هي ثلاثة أحرف، وكذلك كلمة (دفء). أما كلمة مثل: (استهزئ) فهي ستة أحرف فقط، مع ملاحظة أنّ الهمزة رسمت على الياء، على خلاف كلمة (شيْء)، التي تُرسم الهمزة فيها منفردة.
3. كلمة مثل: (الأيام) هي ستة أحرف. لكن كلمة مثل: (الآخرة)، كما يرسمها المصحف، فهي سبعة أحرف، لأنّ الهمزة ترسم بين اللام والألف، على خلاف الهمزة في كلمة (الأيام)،التي تُرسم فيها الهمزة على الألف. ويسهل فهم ذلك عندما نُجرّد الكلمتين من (ال) التعريف؛ فكلمة (أيام) هي أربعة أحرف، وكلمة (ءاخرة) هي خمسة أحرف.
4. كلمة مثل: (أحصاهم) هي ستة أحرف، فإذا كتبت هكذا: (أحصهم) فهي خمسة أحرف، إلا أنها تُكتب، في المصحف العثماني، هكذا: (أحصيهم)، لكن من غير نقط. وعليه فهي ستة أحرف، لأننا نحصي النبرة ياءً. وهذا ينطبق على كلمة (أحصاها) وأمثالها، فإنها ترسم في المصحف العثماني هكذا: (أحصيها)، لكن من غير نقط، أي ستّة أحرف.
5. لا بدّ من التنبيه إلى أنّ المصحف المتداول، الذي يوافق رسمه رواية حفص، قد يختلف رسمه في بعض الألفات وذلك في مواقع محدّدة. ويرجع هذا إلى ترجيح اللجنة المشرفة على طباعة المصحف. والذي نراه في مركز نون أنّ هذا الاختلاف البسيط يرجع إلى اختلاف رسم المصاحف على ضوء ما أذن به الرسول، صلى الله عليه وسلم، من الرسم وحياً، كما هو الأمر في اختلاف القراءات.
6. حساب الجُمّل: هو إعطاء كل حرف من حروف (أبجد هوز...) قيمة عدديّة. وهو حساب مغرق في القدم، وقد استخدمه المسلمون في التأريخ للأحداث. وقد وجدنا بالاستقراء أنّ حساب الجُمّل هو الركن الأساس في الإعجاز العدديّ للقرآن الكريم.
وهذا جدول يبيّن القيم العدديّة لأحرف (أبجد هوز...):

  أ

1

ب

2

ج

3

د

4

هـ

5

و

6

ز

7

ح

8

ط

9

ي

10

ك

20

ل

30

م

40

ن

50

س

60

ع

70

ف

80

ص

90

ق

100

ر

200 

ش

300

ت

400

ث

500

خ

600

ذ

700

ض

800

ظ

900

غ

1000

 

 


معلوم أنّ قيمة حرف الألف في حساب الجُمّل هو (واحد)، وهو أيضاً قيمة حرف الهمزة. ونحن نعتمد دائماً الرسم العثماني للمصحف في إحصاء الحروف، وفي حساب الجُمّل أيضاً. ولحرف الهمزة في الجُمّل تفصيل خاص؛ فإنّ قيمة الهمزة لا تختلف باختلاف الحرف الذي تُرسم عليه؛ فقيمتها (واحد) بغض النظر عن رسمها منفردة، أو على ألف، أو على واو، أو على ياء. وذلك للآتي:
‌أ- في أصل حساب الجُمّل يمكن أن تُحسب الهمزة (واحداً)، بغضّ النظر عن الحرف الذي رُسمت فوقه. وهناك مجال لأن تحسب بقيمة الحرف الذي رسمت فوقه.
‌ب- عندما نحسب الهمزة بقيمة (واحد) نكون قد اعتمدنا الوجه الذي يوحّد القيمة لفظاً وكتابةً.
‌ج- رَجَح لدينا من خلال استقراء الألفاظ القرآنية صِدقيّة هذا المسلك، وهذا لا يمنع أن ينبني على الاحتمال الثاني نتائج أخرى؛ فالقرآن الكريم كلام الله الذي لا تنقضي عجائبه، وهو المعجزة الخالدة التي تقيم الحُجّة في كل حين.